قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٧ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و كان من خيار التابعين المؤمنين من يستحب له الجمع بين هؤلاء الثلاث: الأم و الأخت و البنت، لما فيهن من عظيم المثوبة و الفضل ليخالف بذلك سنة الجاهلية. فقد توجد هذه المعاني أو بعضها في العزل فلذلك سميناه شركا و كرهناه، و هو مذهب الخوارج من النساء كأن فيهن تقزز و تعمق من استعمال كثرة الماء للطهارة، و دخول الحمامات و مجاوزة الحد في الطهور. و كنّ أيضا يقضين الصلاة أيام الحيض و يصمن في حيضهن، و لا يصلّين في ثياب الحيض حتى يغسلنها، و لا تدخلن الخلاء إلّا عراة، و كانوا يكرهون الولادة طلبا للنظافة و التقرز خلاف السنة. نساء العرب ابتدعوا هذه البدع ففارقوا بها سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم و سنن نسائه من أنباط العراق و أهل النهر. و كان بعضهن دخل على عائشة رضي الله عنها لما قدمت البصرة، فلم تأذن لهن في الدخول عليها. و أيضا فإن الله و رسوله ندبا إلى اتخاذ الولادة بقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٢٣]. قيل: الولد و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، و قوله صلى الله عليه و سلم: خير نسائكم الودود الولود و قوله صلى الله عليه و سلم: سوداء ولود خير من حسناء لا تلد، و حصير في البيت خير من امرأة لا تلد. و من بركة المرأة أن تيسر رحمها أحوج ما يكون إلى الجماع إذا طهرت من الحيض. و في هذا الوقت أكثر ما يعبر النساء بالحمل و أحمد ما يكون المولود عاقبة إذا علق به قبل الطهر. فلهذه المعاني عقب الله عزّ و جلّ الأمر بالجماع و الولد بعد الطهر في قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله [البقرة: ٢٢٢]. و لأضدادها في الكراهة و الذم أمر الله تعالى باعتزال النساء في الحيض. و يقال إنّ كل مبذول كان أو مجنونا أو مجذوبا أو مختلا، أو في حاله و عتلا مخبلا لأنه كان غرسه في سبخة من الأرض فلم يزرع و لم يزك، و من زرع من حرث طيب زكا زرعه و هو الغشيان في الطهر فلذلك قال: من حيث أمركم الله، و قد رخص طائفة في العزل. روينا في ذلك رخصة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، و قد كان سعد يعزل و قد أنكر عليّ عليه السلام على ابن عباس رضي الله عنهم في قوله: إنّ العزل هي الموءودة الصغرى و قال: إنها لا تكون موءودة إلّا بعد سبع ثم تلا قوله عزّ و جلّ: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: ٨]. أنها ذكرت بعد سبع ثم تلا قوله عزّ و جلّ آية تنقيل الخلقة: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً [المؤمنون: ١٢] إلى قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي نفخ الروح فيه قال: فلا يكون موءودة مقتولة إلّا بعد هذه السبع الخصال، و لأن الله عزّ و جلّ ذكرها في كوّرت بعد سبع معان ثم جمع بينهما في الفهم فاستنبط ذلك. و هذا من دقيق العلم و غامض الفهم و لطيف الاستدلال الذي تفرد به عليه السلام لثقوب