قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٦ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
ذلك و عظم عليّ، و هبتهم أن أسألهم إلى أنّ مر بي آخرهم و كان غلاما فقلت له: يا هذا، من المشئوم الذي تومئون إليه قال: أنت قلت: و لم ذلك؟ قال: كنا نرفع أعمالك في أعمال المجاهدين في سبيل الله تعالى، فمنذ جمعة أمرنا أن نضعها في أعمال المخالفين، فما أدري ما ذا أحدثت فقال لإخوانه: زوّجوني، زوّجوني فلم يكن يفارقه زوجة أو زوجتان أو ثلاث، و ربما كانت النفس الأمارة أضر على العبد من أربع نسوة، و إنما كره من كره الأهل و الولد لأجل الشغل بهم عن الله تعالى و ما قرب إليه، فإذا كان من لا أهل له و لا ولد مشغولا ببطالته عن الله عزّ و جلّ، منهمكا في شهواته عن سبيل هؤلاء، كان أسوأ حالا من ذي الأهل و الولد و قد جعل من لا يطلب الأهل و المال للكفاف به و الإفضال في المنزل المكروه. و قد روي في الخبر: أنّ من أهل النار الضعيف الذي لا دين له، هو فيكم تبع، لا يبغون أهلا و لا مالا. قيل: هم السؤال المنهومون في المسألة، الذي همه بطنه لا يبالي كيف طلب و لا على أي حال من الفحش تقلب. فمن لم يشغله أهله و ماله عن الله عزّ و جلّ كان أفضل ممن لا أهل له و لا ولد، فهو عبد بطنه و فرجه، أسير هواه و شهوته. و قد أخبر الله تعالى أنّ للمؤمنين أموالا و أولادا، ثم أمرهم أن لا يشغلهم ذلك عن الله عزّ و جلّ. و قد وصف أقواما بأن بيعهم و تجارتهم لا تشغلهم عن عبادته، و أنهم أهل خوف من يوم تنقلب فيه القلوب و الأبصار. و قد مدح قوما فسألوه الأزواج و الذرية، و جعل ذلك في وصفهم في قوله عزّ و جلّ: يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان: ٧٤]. و قرّة أعين لا يشغل و لا يحجب عن قرّة العين بل يكشف عنه و يقرب منه، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: حبّب إليّ من دنياكم ثلاث، الطيب، و النساء، و جعل قرّة عيني في الصلاة. و قد كان أبو سليمان يقول: إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم لذكره. و روينا عن ابن أبي الحواري الحديث الذي رواه عن حبيش عن الحسن: إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل و لا مال. قال أحمد رضي الله عنه: فناظرنا في الحديث جماعة من العلماء، و إذا ليس معناه أنه لا يكون له امرأة و لا ولد و لكن يكونون له و لا يشغلونه، و إنما يحسّ النكاح بمشغول أنه لا يكون له امرأة و لا ولد و لكن يكونون له و لا يشغلونه، و إنما يحسّ النكاح بمشغول الهمّ عن الفكر، فيه ذي نفس مطمئنة و عين خاشعة لرب ذي سكينة و قلب ذي خشية، كما حدثونا عن داود الطائي أنه قال: منذ خمسين سنة ما خالط ذكري ريح. و قيل لبعضهم: هل دخل ذكرك ريح بشهوة؟ فقال: أما منذ قرأت القرآن فلا. و قال بعض العلماء: منذ عشرين سنة ما وقع نظري على فرجي. فأما بطال ذو نفس أمارة و نظرة ثاقبة و شهوة قوية. فالنكاح من أحسن أعماله و أرفع أحواله، لأنّ المباح مقام من لا مقام له، فإن