قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٦ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
مكان، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة و لا اتفاقا في الخليقة لتباينهما في التشاكل، و لا يتبين ذلك في الاجتماع و إنما يتبين في الطيران إذا طارا معا، فأما إذا ارتفع أحدهما و وقع الآخر و علا أحدهما و قصر الآخر، فلا بدّ من افتراق حينئذ لفقد التشاكل، و لا بدّ من مباينة لعدم التجانس عند الطيران، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال و الوصف بعد الاتفاق. و اعلم أنّ الائتلاف و الاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا و افترقا في أربعة معان، إذا استويا في العقود، و اشتركا في الحال، و تقاربا في العلم و اتفقا في الأخلاق، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي: التشاكل و التجانس و معه يكون الائتلاف و الاتفاق، و إن اختلفا في جميعها فهو التباعد و التضاد و عنده يكون التباين و الافتراق، و إن اتفقا في بعضها و اختلفا في البعض كان بعض الاتفاق و بعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف بمقدار ما وجد من التعارف، و يوجد من الاختلاف نحو ما فقد من الاتفاق، و هذا هو تناكر الأرواح لتباعد نشأتها و تشامها في الهواء، و ذلك الأول هو تعارف الأرواح بقرب التشام باجتماع الأوصاف. حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف رحمهما الله قال: جاء الأسود بن سالم إلى عمي معروف، و كان مؤاخيا له فقال: إنّ بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك، و هو يستحي أن يشافهك بذلك، و قد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك و بينه أخوّة يحتسبها و يعتد بها، إلّا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك، و لا يكون بينك و بينه مزاورة و لا ملاقاة، فإنه يكره كثرة الالتقاء، فقال معروف رحمه الله: أما أنا، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا و لا نهارا، و لزرته في كل وقت و لآثرته على نفسي في كل حال. ثم ذكر من فضل الأخوة و الحب في الله عزّ و جلّ أحاديث كثيرة، ثم قال فيها و قد آخى رسول الله صلى الله عليه و سلم بينه و بين عليّ عليه السلام، فشاركه في العلم و قاسمه في البدن و أنكحه أفضل بناته و أحبهن إليه، و خصه بذلك لمؤاخاته: و إني أشهدك أني قد عقدت له أخوّة بيني و بينه و أعتقده أخا في الله عزّ و جلّ لرسالته و لمسألتك، على أن لا يزروني إن كره ذلك و لكني أزوره متى أحببت، و آمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها، و آمره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه، و أن يطلعني على جميع أحواله. قال: فأنصرف بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا، فرضي بذلك و سرّ به، فهذا أسود بن سالم أحد عقلاء الناس و فضلائهم، فكان فيه اتساع للأصحاب و صبر عليهم، و هو الذي أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال: يا أبا محفوظ، هذان الرجلان إماما هذا البلد، فأشر علي أيهما أصحب، فإني أريد أن أتأدب به أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف: