قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٠ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
إليه. و روينا عن عائشة رضي الله عنها: المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه و لا يحشمه، و روينا في الانبساط إلى الإخوان شيئا استظرفته و لو لا أنه جاء عن إمام ما ذكرته، حدثنا الحرث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: أهدي لهشام فرو كثير الثمن فقال: اذهب بها إلى سعيد الجوهري فقل له: هذه فرو جاء به هشيم اشترها له قال: فذهب بها إليه فاشتراها، ثم بعت بها إلى هشيم فصارت له و دراهمها. و قال عليّ بن المديني: قال أحمد بن حنبل: إني أحبّ أن أصحبك إلى مكة و ما يمنعني من ذلك إلّا أني أخاف أن أملك أو تملني، لأنه يقال إنّ ملل الإخوان ليس من أخلاق الكرام و قال مكحول: قلت للحسن إني أريد الخروج إلى مكة فقال: لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك و بينه. و كان أبو عمرو بن العلاء يقول: يستحسن الصبر عن كل شيء إلّا عن الصديق، و قال: أستحب للمتواخين في الله عزّ و جلّ أن يلتقيا في كل يوم مرتين و قال أنس بن مالك: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يتماشون، فإذا استقبلهم صخرة أو أكمة فرقت بينهم فالتقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعض. و قال الحسن و أبو قلابة: ليس من المروءة أن يريح الرجل على صديقه. و قال ابن سيرين لا تكرم أخاك بما يشق عليه. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره. و خرج ابن المبارك في سفر، فصحبه قوم فقال لهم: إن أنكر أحد منكم شيئا فليخبرني، فلما أرادوا أن يتفرقوا قال لهم: هل أنكرتم مني شيئا فقال شاب منهم: أنا قال: و ما أنكرت قال: لم أرك تستاك فقال: ويحك و هل يستاك الرجل بين يدي صديقه. و كان بشر بن الحارث يقول: لا تخالط من الناس إلّا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلّا بخير، و لا تخالط سيّئ الخلق فإنه لا يأتي إلّا بشر. و قال الشافعي رحمه الله: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، و من استرضى فلم يرضى فهو شيطان، و قال عمرو بن دينار: زهدك في راغب فيك نقص حظ، و رغبتك في زاهد فيك ذل نفس. و كان ابن سيرين يقول: يحتمل الرجل لأخيه إلى سبعين زلة و يطلب له المعاذير، فإن أغناه ذلك و إلّا قال: لعل لأخي عذرا غاب عني. و قال الثوري: إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ثم دسّ عليه من يسأله عنك، فإن قال خيرا فاصحبه و قال غيره: لا تؤاخين أحدا حتى تبلوه و تفشي إليه سرّا، ثم اجفه و استغضبه و انظر، فإن أفشاه عليك فاجتنبه. و قيل لأبي يزيد: من أصحب من الناس قال: من يعلم منك ما يعلم الله عزّ و جلّ، و يستر عليك ما يستر الله تعالى، و كان ذو النون يقول: لا خير لك في صحبة من لا يحب أن يراك إلّا معصوما. و قيل لبعض العلماء: من يصحب من الناس قال: من يرفع عنك ثقل التكلف، و تسقط بينك