قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦١ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين ذكر الله عزّ و جلّ عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين، إذا ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين، و على البرّ و التقوى مضطجعين، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه، و أمر بالاعتصام بحبله و هداه، و نهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار، و قرن ذلك بالمنة منه عليهم، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار، و قد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه سبحانه و تعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه، فقال في جمل ما شرحناه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]، وَ لا تَفَرَّقُوا و لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]. و قد كانت المؤاخاة في الله تعالى و الصحبة لأجله و المحبة له في الحضر و السفر طرائق للعاملين، في كل طريق فريق، لما في ذلك من الفضل، و لما جاء فيه من الأمر و الندب، إذ كان الحبّ في الله عزّ و جلّ من أوثق عرى الإيمان، و كانت الألفة و الصحبة لأجله و المحبة و التزاور من أحسن أسباب المتّقين. و قد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك و الحث عليه، و ليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن، و لكن نذكر الأفعال المستحسنة و ما تعلّق بها مما لا بد منه. على أنّ رأي التابعين قد اختلف في التعريف، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف، فإنه أسلم لدينك و أقل غدا لفضيحتك، و أخف لسقوط الحقوق عنك، لأنه يقال: كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق، و كلما طالت الصحبة توكدت المراعاة. و قال بعضهم: هل رأيت شرّا إلا ممن تعرف، فكلما نقص من هذا فهو خير. و قال بعضهم: أنكر من تعرف و لا تتعرف إلى من لا تعرف، و ممن مال إلى هذا الرأي: سفيان الثوري و إبراهيم بن أدهم، و داود الطائي و الفضيل بن عياض، و سليمان الخواص و يوسف بن أسباط، و حذيفة المرعشي و بشر الحافي. و قال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله عزّ و جلّ، بالتأليف و التحبب إلى المؤمنين، لأن ذلك زين في الرخاء، و عون في الشدائد. و تعاون على البرّ