قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٣ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
إخوانا، و كل خدن و صاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو. و في خبر غيره عن داود عليه السلام أنّ الله سبحانه و تعالى أوحى إليه: يا داود ما لي أراك منتبذا وحدانا، قال: إلهي قليت الخلق من أجلك. فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: يا داود كن يقظان مرتادا لنفسك إخوانا، فكل خدن لا يوافقك على مسرّتي فلا تصحبه، فإنه لك عدو و يقسي قلبك و يباعدك مني. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: كونوا مؤلفين و لا تكونوا منفرين. و في الحديث: إنّ أحبكم إلى الله عزّ و جلّ الذين يألفون و يؤلفون، و إنّ أبغضكم إلى الله عزّ و جلّ المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان. و في أخبار داود صلى الله عليه و سلم أنه قال: يا ربّ كيف لي أن يحبني الناس كلهم و أسلم فيما بيني و بينك، قال: خالق الناس بأخلاقهم و أحسن فيما بيني و بينك. و في بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، و خالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة، قال الشعبي عن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخيه زيد: أنا كنت أحبّ إلى أبيك منك، و أنت أحبّ إليّ من ابني، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة و خالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن و أنه لحق عليك أن تخالص المؤمن. و قد قال أبو الدرداء قبله: إنّا لنشكر في وجوه أقوام و إنّ قلوبنا لتلعنهم، فمعنى هذا على الثقة و المداراة ليدفع بذلك شره و أذاه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤]. قيل السلام: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤]. و كان ابن عباس يقول في معنى قوله عزّ و جلّ: وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد: ٢٢]. قال: يدفعون الفحش و الأذى و هو السيّئة بالسلام، و المداراة و هو الحسنة، و قد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء، و منه قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ لا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة: ٢٥١]. قيل بالرغبة و الرهبة و الحياء و المداراة، و كذلك معنى قولهم: خالص المؤمن و خالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة و اعتقاد المؤاخاة في الله عزّ و جلّ، و المخالفة المخالطة في المعاملة و المبايعة، و عند اللقاء. و كذلك جاء مفسرا: خالطوا الناس بأعمالهم و زايلوهم في القلوب. و قد قال محمد بن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا، حتى يجعل الله عزّ و جلّ له منه فرجا، فمعاملة غير تقي و مكالمته من أحوال الاضطرار، و معاشرة التقي و مصافاته من حسن الاختيار. و في أخبار موسى عليه السلام فيما أوحى الله عزّ و جلّ إليه، إن أطعتني فما أكثر إخوانك من المؤمنين، المعنى: إن واسيت الناس و أشفقت عليهم و سلم قلبك لهم و لم تحسدهم، كثر إخوانك. و يقال إنّ أحد الأخوين في الله عزّ و جلّ إذا مات قبل صاحبه.