قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٩ - الفصل الثالث و الأربعون فيه كتاب حكم الإمام و وصف الإمامة و المأموم
المؤذن من الأذان أن يقول: و أنا من المسلمين الحمد للَّه رب العالمين، و تلا قوله و عمل صالحا، و قال: إنني من المسلمين، و قوله مخلصين له الدين الحمد للَّه رب العالمين، فاستحب أن يصلّي المؤذن بين الأذان و الإقامة أربعا، و أن يجهد في الدعاء. قال: و كان السلف يكرهون أربعا و يتدافعونها عنهم: الإمامة و الفتيا و الوصية و الوديعة. و قال بعضهم: ما شيء أحب إليّ من الصلاة في جماعة، و أكون مأموما فأكفى سهوها و يتحمل غيري ثقلها، و لكن إذا أقمت الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم و لا يتدافعونها، فقد جاء في العلم أنّ قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم، و لكن لا يقيم المؤذن حتى يحضر الإمام، و لا ينتظروا الإمام قياما فإنه مكروه. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا تقوموا حتى تروني. و كان بشر بن الحارث يقول: من أراد سلامة الدنيا و عزّ الآخرة فليجتنب أربعا: لا يحدث و لا يشهد و لا يؤم و لا يفتي، و في بعضها و لا يجيب دعوة، و قال مرة: و لا يقبل هدية و هذا من تشديده، و الذي اختار من التأذين و الإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية الأذان، بالترجيع و إفراد الإقامة، و أن يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين، و أن يؤذن لها قبل دخول الوقت، خاصة ليتأهب لها المصلّون و إنما هي الصلاة الوسطى إلّا أن يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، فليدع الاختيار للآثار، و إن يمدّ المؤذن صوته و يرفعه جهده و يترسل أذانه، و قيل كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلّا في موضعين: في الأذان و عند التلبية. و في الخبر: يتمهل المؤذن بين أذانه و إقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه، و المعتصر من اعتصاره، فهذا توقيت من مقدار المصلّين بين الأذانين، فمن كانت به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته. و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مدافعة الأخبثين في الصلاة، و أمر بتبدئة العشاء في قوله: إذا وضع العشاء و أقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ذلك ليكون القلب فارغا لربه خاليا من نوائبه، فذلك من إقامة الصلاة و تمامها. و أكره الإمامة لمن كثر سهوه في الصلاة، أو دام اشتغال قلبه عن فهم المناجاة، أو لمن علم أنّ وراءه من هو أقرأ منه أو أفقه في الدين و العلم و إن كان هو عابدا صالحا، أو لفقيه بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه و أصلح و أروع بعد أن يكون مؤدّيا لفرض التلاوة، و لا يؤم الأمي القراء و لا الأعجمي الفصحاء و لا المتيممون المتوضئين، و إن اتّفق أميّون قدم أقرؤهم و إن حضر أئمة قرّاء فليتقدم بالعلم، و إن اتّفق رجلان أحدهما قد جمع كل القرآن إلّا أنّ الآخر أحسن تجويدا و تثقيفا لما يقرأ منه، و ليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان عالما بالصلاة. و في الخبر: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عزّ و جلّ، فإن