قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٠ - ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء و إظهاره و من رأى أنّ الإظهار أفضل و تفضيل ذلك
الآخرة الباقية، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها. و الغني رفق بالفقير من الدنيا و عمارة دنياه الفانية، و الدنيا موصوفة بلا شيء، فأي شيء يعطي منها؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما، و الذي أعطاهما جميعا، لأنّ يده فوق الفوق و فوق التحت لا يوصف بتحت و لا بأسفل، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى، و هو لا يدخل تحت القياس و التشبيه. فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال: رأيت أبا الحسن النوري يمد يده و يسأل الناس في بعض المواطن قال: فأعظمت ذلك و استقبحته، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم هذا عليك، فإن النوري لم يسأل الناس إلّا ليعطيهم إنما سأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرّه. ثم قال: هات الميزان قال: فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة. ثم قال: احملها إليه. قال: قلت في نفسي إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا و هو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك. قال: فذهبت بالصرّة إلى النوري فقال: هات الميزان. قال: فوزن مائة درهم و قال: ردّها عليه، و قل آه: أنا لا أقبل منك أنت شيئا، و أخذ ما زاد على المائة. قال: فقلت هذا أعجب فسألته: لم فعلت هذا؟ فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة، و طرح عليها قبضة بلا وزن للَّه عزّ و جلّ، فأخذت ما كانت للَّه عزّ و جلّ، و ردت ما كان جعله لنفسه. قال: فرددتها إلى الجنيد فبكى. و قال أخذ ماله و رد مالنا و الله أعلم. ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء و إظهاره و من رأى أنّ الإظهار أفضل و تفضيل ذلك. قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء، لأنه أدخل في التعفف و أقرب إلى التصوّن، و أنه أسلم لقلوب الغير و أصلح لنفوس العامة. و أنّ فيه النصرة لإخوانه من الغيبة و التهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه، و فيه الاحتياط لأخيه و عون له على البرّ و التقوى في قوله عزّ و جلّ: إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]، و للخير الذي جاء: أفضل الصدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ، و لأنّ عمل السرّ يفضّل على عمل العلانية بسبعين ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه، و لم يساعده على كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه، لأنه سرّ بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف. و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: استعينوا على أموركم بالكتمان، فإنّ كل ذي نعمة محسود، و هذا مذهب القرّاء من العابدين، و قال أيوب السجستاني: إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد. و قال بعض الزاهدين: ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من