قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٨ - ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب
أن أعيش حتى آكل هذا. فقال: إني لم أقل لك أنفقه في الخل و الكامخ و البقل، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات و ألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن يرد عليه، فقبله. فقال الرجل: ما ببغداد أحد أعظم منّة عليّ منك. فقال الجنيد: و ما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلّا من كان مثلك، فهذه كانت طرائق أهل الحقائق. و لا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلّا أن يكون تاركا ذلك لأجل الله سبحانه، عالما في قعوده بأحكام الله عزّ و جلّ، قائما بعلم حاله، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبّب الوهاب، و يحلّ تركه للمعلوم يقينا منه بالعالم. و قد كان بعض العلماء يقول: لا تأكل إلّا عند من يعلم أنك أكلت رزقك، و لا تشكر عليه إلّا ربك. و دعا بعض الناس شقيقا البلخي و كان في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلا، فوضع الرجل طعاما واسعا و أنفق نفقة كثيرة، فلما قعدوا قال لهم شقيق: إنّ هذا الرجل يقول: من لم يرني صنعت هذا الطعام و أنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام. قال: فقاموا كلهم خرجوا إلّا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم. فقال صاحب المنزل لشقيق: رحمك الله ما أردت إليّ هذا؟ فقال: أردت أن أجرّب توحيد أصحابي أي كلهم، لا يراه فيما صنع و لا ينظرون إليه فيما قدّم إلّا ذلك الغلام وحده. و حدثونا عن موسى صلى الله عليه و سلم أنه قال: يا ربّ جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني يوما هذا و يعشّيني هذا الليلة. فأوحى الله إليه: هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم، و العالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف، و العالم المتكسّب أفضل من القاعد الجاهد، و القوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف، و القوي المتصرّف أفضل من الضعيف التارك للتصرف. و قد جعل الله المستحقين للعطاء ستة، ذكرهم في آيات ثلاث، فقال عزّ و جلّ في الآية الأولى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠]. و قال في الثانية: وَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ [الذاريات: ١٩]. و قال في الثالثة: فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْقانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ [الحج: ٣٦]. فمن لا معلوم له من تكسّب أو تصرّف فهو أدخل شيء في هذه الآيات و أحوج أحد إلى الإعطاء، و من كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم. و كان ابن عباس رضي الله عنه يقول في الآية: إنما الصدقات للفقراء و المساكين نزلت في أهل الصفة، و من كان في معناهم إلى يوم القيامة، و كانوا أربعمائة و خمسين رجلا لم تكن لهم عشائر بالمدينة و لا أموال