قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٤ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
الضيافة. و دعا بعض الرؤساء إخوانه فأنفق مائتي درهم، فقال له بعض الحكماء: لم تكن تحتاج إلى هذا كله إذا كان خبزك جيدا و خلك حامضا و ماؤك باردا فهو كفاية. و قال بعضهم: الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان، و التمكن على المائدة خير من زيادة لونين. و قال آخر: شرب الماء البارد على الطعام خير من زيادة الألوان. و قال أبو سليمان الداراني: أكل الطيّبات يورث الرضا عن الله عزّ و جلّ. و قال المأمون رحمه الله: شرب الماء بثلج يخلص الشكر للَّه عزّ و جلّ. و قال: رسول الله صلى الله عليه و سلم: من كان يؤمن باللَّه و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، و من إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم، و أفضل ما قدم إليهم اللحم، و خير اللحم السمين النضيج، فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع لهم الطيّبات، ينتظم هذه المعاني قوله عزّ و جلّ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: ٢٤]. قيل في المكرمين قولان، أحدهما: خدمته إياهم بنفسه، و الثاني أكرمهم بتعجيل الطعام إليهم. قوله تعالى: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [هود: ٦٩] أي فما احتبس و لا أقام و الحنيذ النضيج. و قال تعالى: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦]، الروغان: الذهاب بسرعة، و قيل: الذهاب بخفية. و قيل: إنه جاء بفخذ من لحم فسمى عجلا لأنه عجله و لم يلبث به، ثم وصف بأنه سمين نضيج، يقال: حنيذ و محنوذ أيضا. قال: كان نضيجا. و قال في وصف الطيّبات: وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى [البقرة: ٥٧]، المن: العسل، و السلوى: اللحم، سمي سلوى لأنه يسلى به عن جميع الأدام، إنّ فيه غنية عن جميعها، و ليس في كلها مقامه. ثم قال تعالى: كُلُوا من طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ٥٧]. فاللحم و الحلاوة من طيّبات الرزق، و ليأكل الرجل في منزل أخيه سجية أكله في منزله بغير تكلّف و لا تزين، لأنه قد يدخل من الرياء و التزين في الطعام مثل ما يدخل في سائر الأعمال من الصلاة و الصيام، و الأكل عمل و كل عمل يحتاج إلى نية و إخلاص، فلتكن نيته في أكله الاستعانة على الطاعة، و لتكن نيته مع إخوانه إكرامهم بذلك و إدخال السرور عليهم و التبرك بالجماعة، لقول النبي صلى الله عليه و سلم: الجماعة بركة. و ينوي إقامة السنّة في إجابة الدعوة ليكون مأجورا في أكله، عاملا في جميع ذلك بسنّة نبيه صلى الله عليه و سلم و هذا كله داخل في حسن الخلق، و هو في معنى قول الرسول صلى الله عليه و سلم: إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. و قد قال بعضهم: هو الرجل يسأل إخوانه أن يفطر معهم نهارا، أو يسهر معهم ليلا، و يكون من عادته الصيام و القيام، فيساعدهم تخلقا معهم فيدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم. و قال بعض العلماء من أهل الأدب: ليس من السنّة و المروءة أن يزور الرجل إخوانه