قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١١ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
لهم المرسلون. هكذا روينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهذه عقود السنّة الهادية و طريقة الأمة الراضية. و قد أجمع السلف من المؤمنين على ما ذكرناه من قبل أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه، و لا روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ضدّه، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب إيجابه و معان تشهد لإثباته و تولى الله تعالى إجماعهم على سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم كما تولى إظهار دينه على الدين كلّه. و روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم: أنّ الله عزّ و جلّ ضمن لي. و في لفظ آخر: أعطاني أن لا تجتمع أمتي على ضلالة. فإذا رأيتم خلافا فكونوا مع السواد الأعظم، و السواد الأعظم يعبّر به عن الكثرة. فالمختلفون متفقون على أنّ السواد الأعظم ما عليه العامة من المسلمين و الكافة من العموم، و أنّ المبتدعة و المخالفة لما ذكرناه إنما هم فرق و شراذم قليلون و شيع و أحزاب متفرقون، لأن كل مبتدعة منهم فرقة، و كل شرذمة منهم مختلفة. و ليس السواد الأعظم و الجمّ الغفير الدهماء إلّا أهل السنة و الجماعة، و هم السواد و العامة. و لذلك كان عمر ابن عبد العزيز و غيره من الصالحين يقولون: ديننا دين العجائز و صبيان المكاتب و دين الأعراب أي هو القوي السليم العام. فسّر ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الآخر فقال: من كان على ما أنتم عليه اليوم. فأجمعت الأمة على أنّ ما أحدثت الفرق المختلفة لم تكن عليه الصحابة و لا تكلموا فيه و لا نقل عنهم، و أنهم كانوا على ما ذكرناه آنفا، لأنه لم يرو عن أحد منهم خلافه، بل قد نقل عنهم وفاقه في القرن الأول و الثاني. ثم حدث ما ذكرناه من الخلاف في بعض القرن الثالث، و في القرن الرابع. و قد كان عمرو بن دينار و أيوب و حماد بن زيد إذا ذكر أحدهم الأرجاء و مذهب جهم يقول: لعن الله دينا أنا أكبر منه، يعني أنه سبق حدوث هذه المذاهب التي تدين بها المبتدعون فللَّه الحمد، ربّ السموات و ربّ الأرض، العالمين على حسن توفيقه و جميل هدايته. و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله. فنعمة الله تعالى علينا بالسنّة كنعمته علينا بالإسلام إذ نعمته علينا برسول الله صلى الله عليه و سلم كنعمته علينا بمعرفته لاقتران طاعته بطاعته و لحاجة الكتاب العزيز إلى تفسير سنّته. و قد روينا في حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: الشيطان مع الواحد و هو من اثنين أبعد. ذئب أحدكم كذئب الشاة، يتبع الشاذة و القاضية. فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، و من شذّ ففي النار. و روينا عن أبي غالب عن أبي أمامة: أنه نظر إلى رءوس الحرورية جيء بها من البصرة فنصبت على الخشب بدمشق، قال: شر قتلي تحت ظل السماء و خير قتلي من قتلوه. ثم قال: كلاب النار. ثم قرأ: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: ٧]. ثم قرأ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ