قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٠ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
اشتراكهم في المعصية، و إن كان نعيما كان ذلك على الجسم و الروح و النفس، يشتركون في النعيم كما اشتركوا في الطاعة، و هذا من أحكام الآخرة، يكون بمجاري القدرة ليس على ترتيب المعقول و لا عرف العقول، يوصل الله العذاب و النعيم إلى الأرواح و الأجسام و هي متفرقة فيتصل ذلك بهما كأنهما متفقان، و ليس في القدرة مسافة و لا ترتيب و لا بعد و لا توقيت، و يؤمن بالميزان ذي الكفتين و اللسان أنه حق و عدل و حكمة و فضل، كما جاء وصفه في العظم، من أنّ طبقات السماوات و الأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى. و الصنج يومئذ مثاقيل الذرّ و الخردل بحقيقة العدل. و قد خاب من حمل ظلما فتكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة الله تعالى، و تكون السيّئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله تعالى. و يعتقد أنّ الصراط حقّ على ما جاء وصفه في الآثار كدقة الشعرة و حدّ السيف، و هو طريق الفريقين إلى الجنة أو النار، دحض مزلة يثبت عليه أقدام المؤمنين بقدرة الله عزّ و جلّ، فيحملهم إلى الجنة بفضل الله تعالى، و تزل عنه أقدام المنافقين فتهوي بهم في النار بحكم الله عزّ و جلّ، و هو على متن جهنم بإذن الله تعالى، من قطعه نجا منها برحمة الله، و من زلّ عنه وقع فيها بحكمة الله تعالى، و يؤمن بوقوع الحساب و تفاوت الخلق فيه. فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا، و منهم من يدخل النار بغير حساب، و هم الكافرون. و كان إمامنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول: يسأل الأنبياء عن تبليغ الرسالة، و يسأل الكفّار عن تكذيب المرسلين، و يسأل المبتدعة عن السنّة، و يسأل المسلمون عن الأعمال. فقولنا لقوله تبع. و يؤمن بالنظر إلى الله جلّ جلاله عيانا بالأبصار كفاحا مواجهة تكشف الحجب و الأستار بقدرة الله و مشيئته و نوره و رحمته كيف شاء، و هو معنى قول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ [يونس: ٢٦]. فالحسنى الجنة، و الزيادة النظر إلى الله تبارك و تعالى. و كذلك فسّره رسول الله صلى الله عليه و سلم. و يعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحّد بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيّين و الصدّيقين، و إنّ لكل مؤمن شفاعة بإذن الله، فيشفع النبيّون و الصديقون و العلماء و الشهداء و سائر المؤمنين كل واحد وسع جاهه و قدر منزلته. أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في إثبات الشفاعة و في إخراج الموحدين من النار، و هم الجهنميون من أهل الطبقة العليا من النار، و هو معنى قول الله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢]. قال أهل التفسير ذلك عند إخراج الموحدين من النار، و يبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار بمشيئته، و سعة رحمته، و فضل فضله. من لم يشفع لهم الشافعون و لم يقدم في الشفاعة