قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٢ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
[آل عمران: ١٠٦]. و يشير بإصبعه إليهم. ثم بكى. فقلت: يا أبا أمامة تقول فيهم ما تقول؟ ثم بكى. فقال: قاتل الله إبليس ما صنع بهؤلاء الناس يا أبا غالب. إنهم كانوا على ديننا فأبكي مما هم لاقون. هؤلاء بأرضك كثير فأعيذك باللَّه منهم ثلاث مرات. فقلت: آمين يا أبا أمامة أ شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم أو شيء تقوله من قبل رأيك؟ قال: إني إذا لجريء ثلاث مرات. لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مرة و لا مرتين و لا ثلاث و لا أربع يقول: تفرقت النصارى على اثنتين و سبعين فرقة، تزيد أمتي عليها فرقة، كلها في النار إلّا السواد الأعظم فقال رجل كان معنا: يا أبا أمامة إنّ في السواد الأعظم بني فلان قال: و إن فعلوا فإنما عليهم ما حملوا و عليكم ما حملتم. و الجماعة خير من الفرقة، و الطاعة خير من المعصية. ثم نظر إلى الرءوس فقال: أ يغضبون لنا و يقتلوننا هذه رءوس الخوارج و هم الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بالنهروان، و هم أوّل قرن نبغ من المبتدعة و أوّل بدعة ابتدعت في الإسلام، و كانوا قرّاء المصاحف في أعناقهم و السجادات كركب المعزى في جباههم، فأنكروا عليه تحكيم الحكمين و سألوه أن ينقض حكمه فيرجع عنه و قالوا: لا حكم إلّا الله، و أنكروا أمر السلطان و رأوا الخروج على الإمام، و كفروا عثمان و صوّبوا قتل غوغاء المصريين له، و طالبوا عليّا عليه السلام أنّ يوافقهم على رأيهم و يتابعهم على أ هوائهم على أن قاتلوا معه المسلمين إن رجع عن تحكيم الحكمين، و كفّروا أهل الكبائر بالمعاصي، فرأى على ما أراه الله تعالى و بما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم: من قتل المارقين فقتلهم فهؤلاء في النار. و قاتلوهم عليّ و أصحابه خير أهل الأرض عليّ يبغضه و يسبّه قبل أن يظهر منه ما ظهر، فخرج عليه عبد الله بن الكوافي ستة آلاف، فأرسل عليّ عليه السلام عبد الله بن عباس إليهم يناظرهم و يحاجّهم، فسبّوه و بطشوا به، و جرأهم عليه ابن الكوافي هذا فقام خطيبا فيهم فقال: أ تعرفوني بهذا أنا أعرفكموه: هذا من القوم الذين قال الله فيهم: ما ضربوه لك إلّا جدلا بل هم قوم خصمون، ثم تراجع بعضهم إلى ابن عباس فسأله فكشف له عن الحقّ و استتاب منهم ألفين، و قاتل عليّ كرّم الله وجهه أربعة آلاف، فهذه أوّل فرقة مرقت من الدين و اتبعت غير سبيل المؤمنين. ثم افترقت الفرقة الثانية بالمدائن فرأوا دين الأرجاء، و أنّ الإيمان قول و عمل، و أنه لا يزيد و لا ينقص. و كتب بذلك إلى أمير الشام فهمّ بقتالهم، ثم شغل عنهم بقتال الروم ثم افترقت الفرقة الثالثة بالبصرة و هم القدرية إمامهم معبد الجهني، و تابعه عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء الغزال و أصحابهم. ثم خرجت الفرقة الرابعة من الكوفة سموا بذلك لما رفضوا زيد ابن علي بن الحسين حين