قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
تولّاه من إحدى ثلاث مشاهدات، و إن دنت مشاهدته نظر إلى قسمه من العطاء في الصحيفة التي كتبت له عند تصوير خلقه، فكتب فيها رزقه و أجله و أثره، و شقيّ أو سعيد. فكما لا يقدر أحد من الخلق أن يجعله سعيدا إن كان قسمه شقيّا، فلا يقدر أحد أن يجعله شقيّا إن كان قسمه سعيدا. كذلك لا يقدر أحد أن يمنعه ما أعطاه مولاه من القسم، فيجعله محروما، و لا يعطيه ما منعه من الحكم فيجعله مرزوقا، لأن ذلك قد كتب كتبا واحدا و جعل مجعلا سواء. فإن ارتفعت مشاهدته نظر إلى هذا في اللوح المحفوظ مفروغا له منه، و هو أم الكتاب الذي استنسخ منه هذه الصحيفة، فكان يقينه يكتب رزقه في اللوح، و أنه لا يزاد فيه بحول و لا حيلة و لا ينقص منه لعجز و لا سكينة، كيقينه بما كتب فيه من أنه من أهل الجنة فهو داخلها لا محالة. و إن عمل أي عمل بعد أن يكون قد كتب اسمه في اللوح و جعل له فيها أثر كقوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ من بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] فقد كتبت الآثار و الأرزاق من كل شيء كتبا واحدا في ثلاث مواضع، توكيدا للعلم و تسكينا للقلب في القسم، كتب ذلك في الذّكر الأول و هو اللوح المحفوظ ثم في الزبر الأولى و هي الصحف، ثم أنزل ذلك في كتابنا هذا الذي به عرفنا ما سلف من ذلك، و إن علت مشاهدة كل عبد عن مقامه و من معبوده و من مكانه في دنوّه و علوّه يشهد هذا الذي ذكرناه معلوما في علم الله تعالى قبل خلق اللوح، فسكن قلبه و اطمأن إلى علم الله سبحانه و تعالى و ما سبق له منه. و لهذا جاء في الأثر أن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، و أن يكون ثواب المصيبة أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك، أي فيقلّ حرصك لنفاذ شهادتك و يذهب في الخلق طمعك، فهذا هو الرضا و الزهد، فقد جمع التوكّل المقامين معا. فما في يد الله سبحانه و تعالى هو رزقك الواصل إليك، لا شكّ فيه على أي حال، و هو الذي لك عند الله، و هو معلوم علم الله تعالى الذي لا ينقلب، و ذلك أحد ثلاثة أشياء: ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. فهذا هو الذي لك في الدنيا و الآخرة. و لذلك قال صلى الله عليه و سلم: يقول ابن آدم مالي. تعجّب من جهل ابن آدم و غفلته، ثم قال: إنما لك من مالك. فذكر هذه الثلاث و اشترط مع كل واحدة آخر غايتها فقال: ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت. فاشترط الإفناء و الإبلاء و الإمضاء. ثم قال بعد ذلك: و ما سوى ذلك فهو مال الوارث. فهذه الثلاث على هذه الأوصاف هي رزق العبد، و هي التي في يد الله عزّ و جلّ له، الواصلة إليه، فأما ما جعله في يد العبد فقد لا لا يكون له، و إنما هو مستودع إياه و مستخلف فيه، و إن تملّكه و حازه خمسين سنة و إنما