الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٨٥ - المقدمة الخامسة في حكم الجاهل بالأحكام
المتقدمين [١]. و ذلك فان من المعلوم ان سكان الصحاري و الرساتيق ليسوا في الانس بالأحكام و الشرائع، كسكان المدن و الأمصار المشتملة على العلماء و الوعاظ و الجمعات و الجماعات و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نحو ذلك. و لهذا نهى الشارع عن سكون تلك و ندب الى سكون هذه، لانه بمجرد ذلك يحصل التأدب بالآداب الشرعية، و التخلق بالأخلاق المرضية، و الاطلاع على الأحكام النبوية بمداخلة أبناء النوع و معاشرتهم، بل مجرد رؤيتهم، كما لا يخفى على من تأمل ذلك، و حينئذ فالعامي من سكان الصحاري- مثلا- إذا أخذ العبادة من آبائه و تلقاها من اسلافه على اي وجه كان، معتقدا انها هي العبادة التي أمر بها الشارع و لم يعلم زيادة على ذلك، فالظاهر صحتها.
(أما أولا)- فلأنه جاهل بما سوى ذلك جهلا ساذجا، و توجه الخطاب الى مثله كما قدمنا [٢] ممتنع عقلا و نقلا.
و (أما ثانيا)- فلانه قد ورد في الأخبار بالنسبة إلى جاهل الإمامة من المخالفين انهم ممن يرجى لهم الفوز بالنجاة في الآخرة، فإذا كان ذلك حال المخالفين في الإمامة التي هي من أصول الدين فكيف بعوام مذهبنا في الفروع؟ و كذا القول بالنسبة إلى قوة العقل و الفهم و عدمها، فان خطاب كاملي العقول و ثاقبي الأذهان ليس كخطاب غيرهم من البله و الصبيان و النسوان،
و قد ورد عنهم (عليهم السلام): «انما يداق الله العباد على ما وهبهم من العقول» [٣].
و «انه سبحانه يحتج على العباد بما آتاهم
[١] في صحيفة ٨٢ سطر ٣.
[٢] في صحيفة ٨٣ سطر ٤.
[٣] و هو حديث ابى الجارود عن ابى جعفر (عليه السلام) المروي في الكافي في كتاب العقل و الجهل بالنص الآتي:
«إنما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا».