الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٩٧ - الجمع بين الطائفتين من الأخبار
إذا لاقت هذا الماء اليسير و لو في حديث واحد ليتمشى لنا حمل الباقي عليه و ان كثر و بالجملة فلو كان التغير و عدمه مناطا كليا و معيارا مطردا لم ينحصر وروده في مثل تلك الأحاديث خاصة دون هذه الأحاديث، مع كثرتها و تعددها و زيادة عموم البلوى بما تضمنته سفرا و حضرا، فلما رأينا- ان هذه الاخبار الواردة في الماء القليل المحقق القلة- كماء التور و ماء الركوة و نحوهما- كلها منطبقة الدلالة على النجاسة، للنهي عن استعماله و الأمر بإهراقه، و ان التغير و عدمه إنما جعل مناطا في مثل الماء الذي يكون معرضا لنجاسة الجيف و أبوال الدواب و نحوهما مما يغير الماء و ان كثر غالبا، كمياه الغدران و الحيضان و نحوهما مما لا ينفك عن كرور فضلا عن كر غالبا- علمنا ان جعل التغير مناطا هناك إنما هو من حيث الكثرة المانعة من الانفعال بمجرد الملاقاة الغير القابلة للنجاسة إلا بالتغير، دون تلك المياه القليلة التي تنفعل بمجرد الملاقاة. فلا يحتاج فيها الى ذلك المناط المذكور لانفعالها بما دونه.
و مما يزيدك تأييدا و بيانا انك بالتأمل في السؤالات الواقعة- في تلك الأخبار التي جعل مناطها التغير و عدمه- يظهر لك صحة ما قلناه، حيث ان في بعضها
«تبول فيه الدواب»
بلفظ الجمع أعم من أن يكون ذلك دفعة أو دفعات، و في بعضها
«تردها السباع و الكلاب و البهائم»
و من المعلوم ان ذلك الورود إنما هو للشرب منها دفعة أو دفعات، كما يشعر به
قوله (صلى الله عليه و آله) في بعضها [١]: «لها ما أخذت أفواهها»
و من الظاهر البين ان بول الدابة في الماء إنما هو بعد دخولها فيه للشرب أو لغيره، و رمي الجيف فيه التي هي في الغالب في تلك الطرق أما جيفة حمار أو جمل أو فرس أو غنم أو كلب أو غيره من السباع الكثيرة التردد في تلك الطرق، و يظهر لك ان ما يكون معرضا لهذه الأشياء لا تنقص مساحته عن كرور عديدة فضلا عن كر،
[١] و هي رواية الفقيه المتقدمة في الصحيفة ٢٩٢.