الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٤ - (المطلب الثاني)- في الاستصحاب
على حكم الحال الاولى و سكت عن الثانية، و لهذا سمي تعديته الى الحال الثانية حيث كانت عارية عن الدليل استصحابا، و من ثم ايضا جعل الاستصحاب دليلا برأسه مقابلا للسنة، و بإبطال الأدلة المذكورة تنتفي الحجية و يزيد ذلك بيانا ايضا وجوه:
(الأول)- ان مفاد الاستصحاب- على ما ذكروه- إنما هو الظن، و قد قامت الأدلة القاطعة- كما بسطنا الكلام عليه في كتاب المسائل- على ان الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى غير معتبر شرعا. على ان وجود الظن ايضا فيه ممنوع، لان موضوع المسألة الثانية مقيد بالحالة الطارئة و موضوع المسألة الأولى مقيد بنقيض تلك الحالة، فكيف يظن بقاء الحكم الأول؟
(الثاني)- انه لا يخفى- على من راجع الاخبار و غاص لجج تلك البحار- انه قد ورد من الشارع في بعض الصور حكم يوافق الاستصحاب بالمعنى الذي ذكروه و في بعضها ما يخالفه. و منه يعلم انه ليس حكما كليا و لا قاعدة مطردة تبنى عليه الأحكام، و من تأمل- في أحاديث مسألة المتيمم إذا وجد الماء بعد الدخول في الصلاة التي هي المثال الدائر للاستصحاب- ظهر له صحة ما قلنا، فان بعضها قد دل على انه ينصرف من الصلاة و يتوضأ ما لم يركع، و بعضها على انه يمضي في صلاته مطلقا، و بعضها على انه ينصرف بعد أن صلى ركعة و يتوضأ و يبني على ما مضى، و جل الاخبار دال على الانصراف و ان كان في بعضها (ما لم يركع) و بعضها (و لو بعد تمام الركعة) و لم يرد بالمضي إلا رواية محمد بن حمران، فلو كان الاستصحاب- الذي اعتمدوه دليلا في الأحكام و مثلوا له بهذا المثال- دليلا برأسه. لوجب- على هذا المصلي بمقتضى ذلك- المضي في الصلاة و لزم طرح هذه الاخبار. و فيه من البطلان ما لا يحتاج الى البيان [١].
[١] و مثل ذلك مسألة من نوى الإقامة عشرا ثم بدا له. سواء كان بعد الصلاة أم قبلها فان مقتضى العمل بالاستصحاب وجوب التمام بنية الإقامة القاطعة للسفر و الاستمرار على ذلك، و ان العزم على السفر بعد ذلك و لو قبل الصلاة تماما لا يزيل حكم نية الإقامة مع ان الاخبار فيه فصلت بالصلاة و عدمها، فلو كان الاستصحاب قاعدة كلية يتحتم البناء عليها في الأحكام لما كان للتفصيل وجه في هذا المقام (منه (رحمه الله).