الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٣ - (المطلب الثاني)- في الاستصحاب
على إبطال العمل بالاستصحاب- ما حاصله: ان في الاستصحاب جمعا بين حالين مختلفين في حكم من غير دلالة، فانا إذا كنا أثبتنا الحكم في الحالة الأولى بدليل فالواجب ان ننظر، فان كان الدليل يتناول الحالين، سوينا بينهما فيه إلا أنه ليس من الاستصحاب في شيء، و ان كان تناول الدليل إنما هو للحالة الأولى فقط و الثانية عارية عن الدليل، فلا يجوز إثبات مثل الحكم لها من غير دليل، و جرت هذه الحالة مع الخلو عن الدليل مجرى الأولى لو خلت من دلالة، فإذا لم يجز إثبات الحكم للأولى إلا بدليل فكذلك الثانية. انتهى. و هو جيد.
و (ثالثها)- ان الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل، و الموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف، و ذلك كمسألة من تيقن الطهارة و شك في الحدث فإنه يعمل على يقينه. و جوابه انه قياس مع وجود الفارق، لان الاستصحاب المقاس عليه من القسم الثاني من الأقسام المتقدمة، و الفرق بينه و بين ما نحن فيه ظاهر.
(أما أولا)- فإن محل الاستصحاب المتنازع فيه هو الحكم الشرعي، و ذلك القسم محل الاستصحاب فيه جزئيات الحكم الشرعي، و الشارع قد أوجب في الحكم الشرعي البناء على العلم و اليقين دون جزئيات الحكم، فان الحكم فيها مختلف كما أوضحناه في محل أليق [١] و (اما ثانيا)- فلأن الاستصحاب المقاس عليه ليس هو في التحقيق من الاستصحاب في شيء كما صرح به علم الهدى (رضي الله عنه) فيما تقدم من كلامه، بل هو عمل بإطلاق الدليل أو عمومه، لأن
قوله-: «لا تنقض اليقين بالشك.
و لا تنقضه إلا بيقين آخر».
و قوله: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر».
و نحو ذلك- دال على ثبوت تلك الأحكام في جميع الأحوال و الأزمان الى ان يحصل يقين وجود الرافع، بخلاف الاستصحاب المتنازع فيه، فان الدليل- كما عرفت- إنما دل
[١] قد أوضحنا ذلك حسبما يراد على وجه لا يتطرق إليه الإيراد في كتاب الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، وفقنا الله تعالى لإتمامه (منه (قدس سره).