الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٩ - (المطلب الأول)- في البراءة الأصلية
و اما الرواية فمن وجوه أيضا عديدة: (أحدها)- ان هذا الخبر و ما ضاهاه مما استدلوا به اخبار آحاد لا تفيد إلا الظن، و المسألة من الأصول المطلوب فيها القطع عندهم. و (ثانيها)- ان هذا الخبر و ما شاكله موافق للعامة، لدلالتها على التثنية في الأحكام بالحل و التحريم و انه لا وجود للتشابه فيها، و انه لا توقف و لا احتياط في شيء من الأحكام كما هو مذهبهم، و الاخبار التي قدمناها دالة على التثليث و التوقف و وجوب الاحتياط في بعض و هو المتشابه، و قد تقرر في أخبارنا وجوب الأخذ بخلافهم فان الرشد فيه. و (ثالثها)- ان المفروض في الخبر المذكور عدم وجود النهي و عدم حصول العلم، و الحال ان النهي موجود فيما أشرنا إليه آنفا من الاخبار و هو النهي عن القول بغير علم في الأحكام الشرعية و النهي عن ارتكاب الشبهات، و حصل ايضا العلم منها و هو العمل بالاحتياط في بعض افراد موضع النزاع و التوقف في بعض، و على هذا يكون مضمون هذا الخبر و أمثاله مخصوصا بما قبل إكمال الشريعة أو بمن لم يبلغه النهي العام المعارض لهذه الاخبار، فيبقى الآن مضمونها غير موجود عند العلماء العارفين بمعارضاتها. و (رابعها)- الحمل على الخطابات الشرعية، و حاصل معناه: ان كل خطاب شرعي فهو باق على إطلاقه و عمومه حتى يرد فيه نهي في بعض افراده يخرجه عن ذلك الإطلاق،
مثل قولهم: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» [١].
و «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه» [٢].
و نحو ذلك من القواعد الكلية و الضوابط الجلية. و (خامسها)- ان العمل بهذا الخبر و ما شابهه خلاف الاحتياط و ما يقابلها موافق للاحتياط، فإنه لا خلاف في رجحان
[١] تقدم الأصل في ذلك في صحيفة (٤٢).
[٢] قد روى الأحاديث الواردة بهذا المضمون في الوسائل في باب- ٣٥- من أبواب الأطعمة المحرمة من كتاب الأطعمة و الأشربة، و في باب- ٦١- من أبواب الأطعمة المباحة من كتاب الأطعمة و الأشربة، و في باب- ٣١- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.