الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٤٣ - (المطلب الأول)- في البراءة الأصلية
الفقه يقف عليها المتدبر. و السر في ذلك ان حجية الأصل في النفي و العدم إنما هو من حيث لزوم قبح تكليف الغافل كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى، و هذا لا يجري في إثبات الحكم به، و لا دليل سوى ذلك، فيلزم إثبات حكم بلا دليل.
إذا تقرر ذلك فاعلم ان البراءة الأصلية على قسمين: (أحدهما)- انها عبارة عن نفي الوجوب في فعل وجودي الى ان يثبت دليله، بمعنى ان الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليله. و هذا القسم مما لا خلاف و لا إشكال في صحة الاستدلال به و العمل عليه، إذ لم يذهب أحد الى أن الأصل الوجوب، لاستلزام ذلك تكليف ما لا يطاق و للأخبار الدالة على ان
«ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» [١].
و «الناس في سعة ما لم يعلموا» [٢].
و «رفع القلم عن تسعة أشياء، وعد منها
[١] المروي في الوسائل عن التوحيد و الكافي في باب- ١٢- من أبواب صفات القاضي و ما يقضى به من كتاب القضاء. و لكن رواية الكافي ليس فيها كلمة (علمه).
[٢] الشهاب في الحكم و الآداب ص ٧ (في الألف الموصول و المقطوع) للقاضي محمد بن سلامة و الذي وقفنا عليه مما يوافقه في المعنى من كتبنا- هي رواية السفرة المروية في الكافي في باب ٤٨- من كتاب الأطعمة و في الوسائل في باب ٢٣- من كتاب اللقطة. و إليك نص الرواية كما في الكافي:
«علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و بيضها و جبنها، و فيها سكين. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يقوم ما فيها ثم يؤكل، لانه يفسد و ليس له بقاء، فان جاء طالبها غرموا له الثمن. قيل يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: هم في سعة حتى يعلموا».