الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٢٩ - المقدمة العاشرة في بيان حجية الدليل العقلي و عدمها
فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهيات، و إذا كان كذلك فحينئذ تفسد جميع الدلائل. فإن قالوا: العقل إنما جزم بصحة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة، فنقول: قد حصل في تلك الشبهة المتقدمة مقدمة فاسدة، فإن كان ذلك لشبهة اخرى لزم التسلسل، و ان كان ابتداء فقد توجه الطعن. و أيضا فإنا نرى الدلائل القوية في بعض المسائل العقلية متعارضة، مثل مسألة الجوهر الفرد، فانا نقول: كل متحيز فان يمينه غير يساره، و كل ما كان كذلك فهو منقسم، ينتج ان كل متحيز منقسم، ثم نقول: الآن لم يكن حاضرا بل بعضه، و إذا كان غير منقسم كان أول عدمه في آن آخر متصل بآن وجوده، فلزم تتالي الآنات، و يلزم منه كون الجسم مركبا من اجزاء لا تتجزأ. فهذان الدليلان متعارضان و لا نعلم جوابا شافيا عن أحدهما، و نعلم أن أحد الكلامين مشتمل على مقدمة باطلة و قد جزم العقل بصحتها ابتداء، فصار العقل مطعونا فيه» ثم أخذ في تفصيل هذه الوجوه بكلام طويل الذيل.
(فان قلت): فعلى ما ذكر من عدم الاعتماد على الدليل العقلي يلزم ان لا يكون العقل معتبرا بوجه من الوجوه، مع انه قد استفاضت الآيات القرآنية و الأخبار المعصومية بالاعتماد على العقل و العمل على ما يرجحه، و انه حجة من حجج الله سبحانه، كقوله تعالى:
(إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)* [١] في غير موضع من الكتاب العزيز اي يعملون بمقتضى عقولهم (الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)* [٢]. (لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ) [٣].
[١] سورة الرعد. آية ٥. سورة النحل. آية ١٣. سورة الروم. آية ٢٤.
[٢] سورة الرعد. آية ٤. سورة الروم. آية ٢١. سورة الزمر. آية ٤٤.
سورة الجاثية. آية ١٣.
[٣] سورة آل عمران. آية ١٨٨.