سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - الباب الرابع في هجرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بنفسه الكريمة و ما وقع في ذلك من الآيات
تعالى. و روى ابن أبي حاتم و أبو الشيخ و ابن مردويه و البيهقي و ابن عساكر عن ابن عباس في قوله تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، قال: على أبي بكر لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لم تزل السكينة معه [١] [التوبة- ٤٠].
و روى أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما أن أبا بكر رأى رجلا مواجها الغار فقال: «يا رسول اللّه إنه يرانا». «قال: كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها». فلم ينشب أن قعد يبول مستقبلنا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا».
و يرحم اللّه الشّرف البوصيري حيث قال:
ويح قوم جفوا نبيّا بأرض* * * ألفته ضبابها و الظّباء
و سلوه و حنّ جذع إليه* * * و قلوه و ردّه الغرباء
أخرجوه منها و آواه غار* * * و حمته حمامة ورقاء
و كفته بنسجها عنكبوت* * * ما كفته الحمامة الحصداء
و حيث قال:
أقسمت بالقمر المنشقّ أنّ له* * * من قلبه نسبة مبرورة القسم
و ما حوى الغار من خير و من كرم* * * و كلّ طرف من الكفّار عنه عم
فالصّدق في الغار و الصّدّيق لم يردا* * * و هم يقولون ما بالغار من أرم
ظنّوا الحمام و ظنّوا العنكبوت على* * * خير البريّة لم تنسج و لم تحم
وقاية اللّه أغنت عن مضاعفة* * * من الدّروع و عن عال من الأطم
لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه (صلّى اللّه عليه و سلم) في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يحب الفأل الحسن، و قد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره (صلّى اللّه عليه و سلم) في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة و الاستقرار فيما يقصده هو و رفيقه.
و روى ابن عديّ و ابن عساكر عن أنس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا»؟ قال: نعم. قال: «قل و أنا أسمع»، فقال:
و الثّاني اثنين في الغار المنيف و قد* * * طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا
و كان حبّ رسول اللّه قد علموا* * * من البريّة لم يعدل به رجلا
فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه ثم قال: «صدقت يا حسّان هو كما قلت [٢].
[١] ذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٦٢٨١).
[٢] أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٧ و ابن سعد في الطبقات ٣/ ١/ ١٢٣ و الطبراني ٨/ ١٥٦.