دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٨٠ - و أما المورد الأول
حكم بكون الأصل مثبتا في القسم الثالث دون القسم الأول و الثاني؛ و ذلك لتغاير الواسطة مع المستصحب في القسم الثالث دون القسم الأول و الثاني، فإن الواسطة متحدة مع المستصحب وجودا فيهما.
و الملاك في مثبتية الأصل عند المصنف: أن تكون الواسطة مغايرة وجودا للمستصحب؛ كالسواد و البياض و نحوهما من المحمولات بالضميمة التي لها ما بإزاء في الخارج؛ و إن كانت قائمة بمعروضاتها، فإن كان لسواد الجسم مثلا أثر شرعي لا يترتب على استصحاب الجسم أثر سواده.
و حاصل الكلام في المقام: أن مورد الأصل المثبت عند المصنف هو ما إذا كانت بين المستصحب و الواسطة مغايرة وجودا. و أما إذا كان بينهما اتحاد وجودي؛ بحيث تحمل الواسطة على المستصحب بالحمل الشائع لم يكن الاستصحاب لترتيب أثر الواسطة على المستصحب من الأصل المثبت أصلا، ضرورة: أن متعلق الحكم على ما ثبت في محله و إن كان هو الكلي؛ لكنه بلحاظ وجوده، لعدم قيام الملاكات الداعية إلى تشريع الأحكام بالطبائع بما هي هي؛ بل بلحاظ وجودها، و من المعلوم: أن الكلي موجود بعين وجود فرده، سواء كان منتزعا عن ذات الفرد كالإنسان المنتزع عن زيد مثلا، أم منتزعا عن اتصافه بعوارض ليس لها ما بإزاء في الخارج؛ بل هي متحدة وجودا مع معروضها كالعالم و العادل و نحوهما من العناوين الاشتقاقية التي لا يكون لمبادئها ما يحاذيها في الخارج.
و عليه: فإذا شككنا في بقاء مائع على خمريته، فاستصحاب خمريته لترتيب حرمة طبيعة الخمر عليه ليس مثبتا. و كذا استصحاب عدالة زيد مثلا لترتيب آثار طبيعة العادل عليه ليس مثبتا.
هذا كله بناء على تعلق الأحكام بالطبائع. و أما بناء على تعلقها بالأفراد فالأمر أوضح؛ لكون الفرد بخصوصيته موضوع الحكم، من دون حاجة في إثبات الحكم له إلى انطباق الطبيعي عليه.
و نتيجة البحث في المورد الأول: هي كون الأصل مثبتا عند الشيخ نظرا إلى وجود الواسطة و هي الكلي؛ لأن الحكم للفرد إنما هو بواسطة الكلي، و ليس الأصل مثبتا عند المصنف نظرا إلى اتحاد الواسطة مع المستصحب وجودا؛ لأن الكل لا يعدّ لازما عقليا للفرد كي يكون الاستصحاب من الأصل المثبت، بل هو عين الفرد وجودا و متحد معه خارجا، فلا يكون الأصل مثبتا. هذا تمام الكلام في المورد الأول من الموارد الثلاثة.