دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٥٦ - قاعدة لا ضرر و لا ضرار
عليه، و لعله يرجع إلى المعنى الثاني، و إن كان تعددهما غير بعيد».
رابعها: أن تضر صاحبك من دون أن تنفع به في قبال الانتفاع به، كحفر بالوعة في قرب دار الجار مع تضرر الجار بها و انتفاع الحافر بها.
و حاصل الكلام: أن ما استظهره المصنف هو المعنى الأول و هو: أن الضرار بمعنى الضرر جيء به للتأكيد. هذا تمام الكلام في كلمة الضرر و الضرار.
و أما كلمة «لا» النافية: فحاصل ما أفاده المصنف «(قدس سره)» فيها هو: أن الأصل في مثل تركيب «لا ضرر» و مما دخل فيه «لا» النفي على اسم النكرة ك «لا رجل في الدار» هو نفي حقيقة مدخولها، فمعنى «لا رجل» نفي طبيعة الرجل في الدار حقيقة أو ادعاء بلحاظ نفي آثار تلك الطبيعة؛ إذ انتفاء آثارها المطلوبة منها يصحح نفي نفس الطبيعة تنزيلا لوجودها الذي لا يترتب عليه الأثر المرغوب منه منزلة عدمه.
إذا عرفت شرح معاني المفردات الواقعة في متن الحديث فاعلم: أن ما اختاره المصنف «(قدس سره)» من إرادة نفي حقيقة الضرر ادعاء تنزيلا لوجود الضرر الذي لا يترتب عليه الأثر منزلة عدمه، فالوضوء الضرري منفي شرعا بلحاظ عدم ترتب أثره و هو الوجوب عليه، فكأنه قيل: «وجوب الوضوء الضرري معدوم»؛ لأن مرجع نفي الضرر تشريعا مع وجوده تكوينا إلى نفي حكمه شرعا، و هذا من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.
فحاصل ما اختاره المصنف «(قدس سره)» من كون نفي الضرر من نفي الموضوع و الحقيقة ادعاء و إرادة: نفي الحكم منه.
توضيح ذلك: أنه لما تعذرت إرادة المعنى الحقيقي- و هو نفي الضرر حقيقة؛ لكونه كذبا، لوجود الضرر في الخارج- دار أمره بين جملة من المعاني:
منها: إرادة الحكم من الضرر بعلاقة السببية و المسببية؛ بأن يكون الضرر مستعملا في الحكم بتلك العلاقة، حيث إن الحكم سبب للضرر و إنه لم يجعل الحكم الضرري في الإسلام مطلقا أي: سواء كان واجبا أو مستحبا تكليفيا أو وضعيا، فإذا وجب الوضوء مع كون استعمال الماء مضرا أو لزم البيع الغبني، فإن الضرر في الأول ناش عن حكم الشارع بوجوب الوضوء، و في الثاني عن حكمه بلزوم البيع على المغبون، فهذان الوجوب و اللزوم منفيان بقاعدة الضرر، فمرجع هذا الوجه إلى استعمال لفظ الضرر مجازا في سببه و هو الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي.
و بهذا التصرف المجازي يصير النفي حقيقيا لعدم جعل طبيعة الحكم الذي ينشأ منه