حاشیة رسائل شیخ انصاری - الساباطي اليزدي، عبد الرسول - الصفحة ٣٠ - مقدمة المؤلف
الأدلّة و الأصول، لا جرم يقتصر على مقدار عجزه، فإذا قدر المكلّف على استنباط بعض مقدّماتها و علم به استغنى عن المجتهد بالنسبة إلى هذه المقدّمة و يأخذ بما يستنبطه المجتهد في باقي المقدمات و يعمل على ما يحصل من مجموعها، و ربما يكون مخالفا لفتوى المجتهد، مثلا لو أفتى بوجوب التيمّم على التراب لقوله تعالى:
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [١] لاختيار كون الصعيد هو التراب، و لكن المقلّد يقطع بأنّ الصعيد مطلق وجه الأرض فيأخذ عن المجتهد جميع ما هو عاجز عن فهمه من مقدّمات المسألة، مثل انّ ظاهر الكتاب حجّة، و الأمر للوجوب، و انّ المراد ب «لم تجدوا» لم تتمكّنوا من الاستعمال، و غير ذلك، و يبنى على جواز التيمّم على مطلق وجه الأرض، و هذا ممّا لا يلتزم به أحد، حتّى انّ المصنّف (قدّس سرّه) صرّح في رسالة التّعادل و الترجيح [٢] بذلك حيث جزم بأنّه إذا كان الخبران المتعارضان [متعادلين] بنظر المجتهد و كان أحدهما راجحا بنظر المقلّد فالعبرة بنظر المجتهد و ليس للمقلّد الأخذ بما هو الرّاجح عنده.
و ثالثا: أن كون المقلّد بل المجتهد مكلّفا بمؤدّى الأدلّة و إجراء الاصول ممنوع، بل الحقّ المحقّق في محلّه أنّ التكليف منحصر في الأحكام الواقعيّة، و ليس مؤدّى الأدلّة و إجراء الأصول أحكاما مجعولة في مقابلة الأحكام الواقعيّة، بل إنّما هي أحكام عذريّة بمعنى أنّ المكلّف معذور بعد الأخذ بها على تقدير التخلّف عن الواقع، و يظهر الثّمرة فيما إذا ترك المقلّد واجبا واقعيّا قد أفتى مجتهده بعدم وجوبه و كان تركه مستندا إلى ترك التقليد لا إلى فتوى المجتهد فإنّه يكون آثما معاقبا على ترك الواجب على المختار لأنّه لم يأت بالواجب الواقعي و لا بالعذري، و أمّا بناء على كون مؤدّيات الأدلّة أحكاما مجعولة فقد وافق فعله حكما شرعيّا ثانويّا و لا يعاقب على ترك الواجب الواقعي.
[١]- المائدة، ٥.
[٢]- الرسائل طبع جماعة المدرسين؛ ٧٦٣.