حاشیة رسائل شیخ انصاری - الساباطي اليزدي، عبد الرسول - الصفحة ٤٥ - المقصد الاوّل في القطع
أمّا أوّلا: فبالنقض بجعل الاصول و الأمارات و الأدلّة الظنيّة، فانّ مثل هذا التناقض وارد عليها حرفا بحرف من غير تفاوت، فإنّ التعبّد بالاستصحاب و أصالة البراءة و غيرها مع تخلّفها عن الواقع كثيرا كيف يجتمع مع ثبوت الأحكام الواقعيّة غير مقيّدة بالعلم و الجهل. مثلا الشيء لو كان نجسا أو حراما في الواقع بجعل الشارع إلّا أنّه مستصحب الطّهارة و الحلّية فلمّا جعل الاستصحاب حجّة و كلّف التعبّد به فقد حكم بعدم النجاسة و الحرمة، و هو التناقض المذكور، و مثل ذلك يقرّر التناقض في الأمارات و الأدلّة الظنّية بلا تفاوت، و من هنا ذهب ابن قبة من قدماء أصحابنا إلى أنّ التعبّد بخبر الواحد مستحيل في العقل، لاستلزامه تحليل الحرام و تحريم الحلال، فإنّه هذا التناقض بعينه. فاتّضح أنّ ما ذكر بالنسبة إلى ورود التناقض من واد واحد.
و أمّا ثانيا: فبالحلّ و توضيحه يحصل ببيان كيفيّة جعل الاصول و الأدلّة الظنيّة أوّلا كي يتضح طرد الكلام فيما نحن فيه. فنقول: إنّ ظاهر جمهور العلماء و صريح جمع منهم أنّ الأحكام الظاهريّة أحكام شرعيّة مجعولة في قبال الأحكام الواقعيّة الأوليّة يحصل بها الإطاعة و العصيان و يترتّب عليها آثار أخر أيضا ممّا يترتّب على الأحكام الشرعيّة من الإجزاء أو غيره ممّا ليس هنا محلّ ذكرها و من هنا قد اشكل عليهم امور:
منها التناقض الذي نحن بصدده و قد أجابوا عن التناقض بوجوه عديدة لعلّها تأتي فيما سيأتي في مقامات يناسبها بما فيها، أوجهها ما اختارها المصنّف (قدّس سرّه) في رسالة حجّية المظنّة- و إن قال بغيره في أوّل رسالة البراءة- و هو انّا نمنع كون مؤدّيات الاصول و الأمارات و كذا الأدلّة الظنّية أحكاما شرعيّة، بل هي أحكام عذريّة، بمعنى أن الشّارع جعلها أعذارا للمكلّفين إذا سلكوها فإن أصابوا فقد أدركوا الأحكام الشرعيّة، فإن أخطئوا فهم معذورون لا يعاقبون على الواقع، و هذا نظير الأعذار العقليّة كالجهل و العجز بعينه، فكما أنّ العاجز و الجاهل في حال عجزه و جهله لم يجعل له حكم سوى حكمه الواقعي و كان معذورا بالنسبة إليها بحكم العقل،