حاشیة رسائل شیخ انصاری - الساباطي اليزدي، عبد الرسول - الصفحة ١٦٩ - العلم الاجمالي
صورة تعدّد العالم و اختلافهم في الفتوى و دوران أمر المقلّد بين الرجوع إلى هذا أو ذاك، هب أنّه دالّ بإطلاقه على جواز الرجوع إلى مطلق أهل الذكر، و يلزمه التخيير في الصورة المفروضة، إلّا أنّه في ابتداء الأمر، و بعد الرجوع إلى أحدهما فهو عالم بالحكم لا يجوز له الرجوع إلى غيره إلّا بدليل، و إن كان الدليل هو الإجماع فالقدر المتيقّن هو التخيير الابتدائي، و كذا لو كان الدليل حكم العقل بالتخيير فافهم.
ثمّ لا يخفى أنّ ما اختاره المصنّف في رسالة أصل البراءة من التوقّف مخالف لما اختاره هنا من التخيير.
نعم يمكن أن يقال بعدم جواز الرجوع إلى أصالة الإباحة و البراءة و لزوم الأخذ بالتخيير بوجه آخر دقيق مبنيّ على مقدّمة قد مرّ ذكرها سابقا و هي أن الأحكام الواقعيّة الغير المقيّدة بالعلم و الجهل يجوز العقاب عليها إلّا أن يعتذر المكلّف بعذر مقبول عقلا أو شرعا، فمطلق الجهل بها لا يرفع عقاب المخالفة إلّا أن يكون الجهل عذرا صحيحا، و حينئذ نقول فيما نحن فيه بعد ما علم المكلّف بأنّ للشارع في هذا الموضوع حكم إلزاميّ مردّد بين الوجوب و الحرمة فلو بنى الأمر على التخيير بحكم العقل أو الشرع و اختار أحد الحكمين و عمل به فقد أتى بما يمكنه أن يعتذر به على تقدير المخالفة، و أمّا لو بنى الأمر على عدم الوجوب و الحرمة و اختار الفعل أو الترك فإن صادف الواقع و إلّا فيصحّ عقابه على المخالفة لأنّه لا عذر له. لا يقال له أن يعتذر بأصل البراءة لأنّا نقول لا يجرى أصل البراءة مع العلم بجنس التكليف و إن اشتبه نوعه حتّى عند المصنّف، مثلا لو علم بأنّ أحد الحكمين ثابت إمّا وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن، فإنّ الاحتياط لازم و أصالة عدم الحكمين متعارض بواسطة العلم الإجمالي، و كذا لو تعذّر الاحتياط بالنسبة إلى أحد الطرفين يجب مراعاته بالنسبة إلى الطرف الآخر و إلّا لم يكن معذورا و ما نحن فيه من هذا القبيل، يجب الأخذ بأحد الحكمين من باب الاحتياط اللازم المراعاة بقدر الإمكان ليكون معذورا على تقدير المخالفة.