حاشیة رسائل شیخ انصاری - الساباطي اليزدي، عبد الرسول - الصفحة ٤٦ - المقصد الاوّل في القطع
فكذلك من عمل بمؤدّيات الاصول و الأمارات، لأنّ الشارع قد جعلها أعذارا فإن أصاب فقد رزقه اللّه خيرا، فإن أخطأ فقد حرم منه و كان معذورا لا يصحّ عقابه على ترك العمل بالواقع، كما لا يصحّ في الأعذار العقليّة، و الدليل على ذلك أنّا إذا تتبّعنا أدلّة حجّية الاصول و الأمارات و الأدلّة الظنّية لم نجد فيها ما يدلّ على أنّ مؤدّياتها أحكام شرعيّة مجعولة مقابلة الأحكام الواقعيّة على ما يدّعيه الخصم، بل مؤدّاها أنّه يجب العمل بها و لا يستفاد من ذلك أزيد ممّا ذكرنا من عدم جواز المؤاخذة على ترك الواقع على تقدير التخلّف و ذلك ما أردنا.
و الحاصل أنّه ليس في الشريعة [إلّا] الأحكام الواقعيّة يجب على المكلّفين قاطبة الإتيان بها يعاقبون على مخالفتها لا يقبل منهم غيره إلّا أن يأتوا بعذر صحيح من عجز و جهل من الأعذار العقليّة، أو العمل بأصل أو أمارة من الأعذار الجعليّة، و من هنا يصحّ لنا أنّ الجاهل يصحّ عقابه على مخالفة الواقع لو لم يكن جهله عذرا كما لو كان مقصّرا و العالم لا يصحّ عقابه على المخالفة لو كان معذورا بعذر عقليّ أو شرعيّ.
إذا تحقّق ذلك و ارتفع التناقض بحمد اللّه في جعل الاصول و الأدلّة، نقول بمثل ذلك فيما نحن فيه، فلو منع الشارع عن العمل بالقطع في مثل القطّاع مثلا لحكمة غلبة مخالفة الواقع التي يعرف الشارع من القطّاع فلم يجعل له حكما مخالفا لحكمه الواقعي حتّى يحصل التناقض بينه و بين الحكم الواقعي، بل أبدع (كذا) له أن يعتذر إلى الشارع- فيما إذا كان قطعه مطابقا للواقع و ترك العمل عليه بذلك- منعتنى عن العمل بقطعي، فلا بدّ أن يقبل عذره و لا يعاقبه على تلك المخالفة.
فإن قلت: فرق بين القطع و غيره من الاصول و الأدلّة الظنّية، لأنّ القاطع قد انكشف عنده الواقع لا يمكن اعتذاره بغير إتيان الواقع، و إلّا لم يكن مكلّفا به بخلاف غيره، فإنّه لمّا كان الواقع مستورا عنه جاز أن يجعل له عذرا يعتذر به، و حينئذ فلو منع الشارع القاطع عن العمل بقطعه يلزم التناقض.
و بوجه آخر: مقام ثبوت الحكم الواقعي يغاير مقام ثبوت التخيير في غير القطع