المغازي - الواقدي - الصفحة ٦٢٦ - غزوة الحديبية
(١) أبو بصير بقائم السيف، و العامرىّ ممسك بالجفن، فعلاه به حتى برد، و خرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة، و خرج أبو بصير فى أثره، فأعجزه حتى سبقه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يقول أبو بصير: و اللّه لو أدركته لأسلكته طريق صاحبه! فبينا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )جالس فى أصحابه بعد العصر إذ طلع المولى يعدو، فلما رآه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قال: هذا رجل قد رأى ذعرا! فأقبل حتى وقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و يحك، مالك؟ قال:
قتل صاحبكم صاحبي، و أفلتّ منه و لم أكد! و كان الذي حبس أبا بصير احتمال سلبهما على بعيرهما، فلم يبرح مكانه قائما حتى طلع أبو بصير، فأناخ البعير بباب المسجد فدخل متوشّحا بالسيف- سيف العامرىّ- فوقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال لرسول اللّه: وفت ذمّتك و أدّى اللّه عنك، و قد أسلمتنى بيد العدوّ، و قد امتنعت بديني من أن أفتن، و تبغّيت بى أن [١] أكذب بالحقّ. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ويل امّه، محشّ حرب [٢] لو كان معه رجال! و جاء أبو بصير بسلب العامرىّ خنيس بن جابر و رحله و سيفه، فقال:
خمّسه يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنى إذا خمسته رأونى لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، و لكن شأنك بسلب صاحبك! و قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لكوثر: ترجع به إلى أصحابك. فقال: يا محمد، قد أهمّنى نفسي، ما لي به قوّة و لا يدان! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم
____________
[١] فى الأصل: «أو».
[٢] فى الأصل: «محسن حرب». يقال: حش الحرب إذا أسعرها و هيجها، تشبيها بإسعار النار.
(النهاية، ج ١، ص ٢٤٠).