المغازي - الواقدي - الصفحة ٦١٣ - غزوة الحديبية
(١) قالوا: فلما فرغ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )من الكتاب و انطلق سهيل بن عمرو و أصحابه، قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لأصحابه:
قوموا فانحروا و احلقوا! فلم يجبه منهم رجل إلى ذلك، فقالها رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )ثلاث مرّات كلّ ذلك يأمرهم، فلم يفعل واحد منهم ذلك. فانصرف رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )حتى دخل على أمّ سلمة زوجته مغضبا شديد الغضب، و كانت معه فى سفره ذلك، فاضطجع فقالت:
مالك يا رسول اللّه؟ مرارا لا تجيبني [١]. ثم قال: عجبا يا أمّ سلمة! إنى قلت للناس انحروا و احلقوا و حلّوا مرارا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك و هم يسمعون كلامي و ينظرون فى وجهى! قالت، فقلت: يا رسول اللّه، انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنّهم سيقتدون بك. قالت:
فاضطبع [٢] رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بثوبه، ثم خرج و أخذ الحربة ينهم [٣] هديه. قالت أمّ سلمة: فكأنى أنظر إليه حين يهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته: بسم اللّه و اللّه أكبر! قالت: فما هذا إلّا أن رأوه نحر، فتواثبوا إلى الهدى، فازدحموا عليه حتى خشيت أن يغمّ بعضهم بعضا.
فحدّثنى يعقوب بن محمّد، عن عبد الرحمن بن عبد اللّه، عن الحارث بن عبد اللّه بن كعب، عن أمّ عمارة، قالت: فكأنى أنظر إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )مضطبعا بثوبه و الحربة فى يديه ينحر بها.
حدّثنى مالك بن أنس، عن أبى الزّبير، عن جابر، قال: و أشرك رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بين أصحابه فى الهدى، فنحر البدنة عن
____________
[١] هكذا فى الأصل.
[٢] أى أخذ ثوبه فجعل وسطه تحت إبطه الأيمن و ألقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره.
(النهاية، ج ٣، ص ١٢).
[٣] نهم الرجل ناقته إذا زجرها. (الصحاح، ص ٢٠٤٧).