المغازي - الواقدي - الصفحة ٥٩٤ - غزوة الحديبية
(١) فوعى بديل مقالته و ركب، ثم ركبوا إلى قريش، و كان فى الرّكب عمرو ابن سالم، فجعل يقول: و اللّه لا تنصرون على من يعرض هذا أبدا، حتى هبطوا على كفّار قريش. فقال ناس منهم: هذا بديل و أصحابه، إنما جاءوا يريدون أن يستخبروكم، فلا تسألوهم عن حرف واحد! فلمّا رأى بديل و أصحابه أنّهم لا يستخبرونهم قال بديل: إنّا جئنا من عند محمّد، أ تحبّون أن نخبركم؟ قال عكرمة بن أبى جهل و الحكم بن ابى العاص: لا و اللّه، ما لنا حاجة بأن تخبرنا عنه! و لكن أخبروه عنّا أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدا حتى لا يبقى منّا رجل. فقال عروة بن مسعود: و اللّه ما رأيت كاليوم رأيا أعجب! و ما تكرهون أن تسمعوا من بديل و أصحابه؟ فإن أعجبكم أمر قبلتموه، و إن كرهتم شيئا تركتموه، لا يفلح قوم فعلوا هذا أبدا! و قال رجال من ذوى رأيهم و أشرافهم، صفوان ابن أميّة و الحارث بن هشام: أخبرونا بالذي رأيتم و الذي سمعتم. فأخبروهم بمقالة النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )التي قال، و ما عرض على قريش من المدّة، فقال عروة: يا معشر قريش تتهموننى؟ ألستم الوالد و أنا الولد؟ و قد استنفرت أهل عكاظ لنصركم، فلما بلّحوا [١] علىّ نفرت إليكم بنفسي و ولدي و من أطاعنى! فقالوا: قد فعلت! فقال: و إنى ناصح لكم شفيق عليكم، لا أدخر عنكم نصحا، و إنّ بديلا قد جاءكم بخطّة رشد لا يردّها أحد أبدا إلّا أخذ شرّا منها، فاقبلوها منه و ابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، و أنظر إلى من معه و أكون لكم عينا آتيكم بخبره. فبعثته قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أقبل عروة بن مسعود حتى أناخ راحلته
[١] فى الأصل: «تلحوا»، و ما أثبتناه من الزرقانى. و بلحوا: أى امتنعوا من الإجابة.
(شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢٢٧).