المغازي - الواقدي - الصفحة ٥٣٣ - باب شأن سريّة عبد اللّه بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح
(١) حتى انتهى إلى خبائه، و تفرّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه و هم مطيفون به، فقال: هلمّ يا أخا خزاعة! فدنوت منه فقال لجاريته:
احلبى! فحلبت ثم ناولتني، فمصصت ثم دفعته إليه، فعبّ كما يعبّ الجمل حتى غاب أنفه فى الرّغوة [١]، ثم قال: اجلس. فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس و ناموا و هدأ، اغتررته [٢] فقتلته و أخذت رأسه، ثم أقبلت و تركت نساءه يبكين عليه، و كان النّجاء منّى حتى صعدت فى جبل فدخلت غارا. و أقبل الطلب من الخيل و الرجال توزّع فى كلّ وجه، و أنا مختف فى غار الجبل، و ضربت العنكبوت على الغار، و أقبل رجل و معه إداوة ضخمة و نعلاه فى يده، و كنت حافيا، و كان أهمّ أمرى عندي العطش، كنت أذكر تهامة و حرّها، فوضع إداوته و نعله و جلس يبول على باب الغار، ثم قال لأصحابه: ليس فى الغار أحد. فانصرفوا راجعين، و خرجت إلى الإداوة فشربت منها و أخذت النعلين فلبستهما،
فكنت أسير الليل و أتوارى النهار حتى جئت المدينة فوجدت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فى المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه! قلت: أفلح وجهك يا رسول اللّه! فوضعت رأسه بين يديه، و أخبرته خبري، فدفع إلىّ عصا فقال: تخصّر [٣] بهذه فى الجنّة، فإن المتخصّرين فى الجنّة قليل.
فكانت عند عبد اللّه بن أنيس حتى إذا حضره الموت أوصى أهله أن يدرجوها فى كفنه. و كان قتله فى المحرّم على رأس أربعة و خمسين شهرا
[١] الرغوة: زبد اللبن. (الصحاح، ص ٢٣٦٠).
[٢] فى الأصل: «اغتزيته»، و ما أثبتناه هو قراءة ب. و اغتررته: أى أخذته فى غفلة.
(شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧٦).
[٣] التخصر: الاتكاء على قضيب و نحوه. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٧٦).