المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٦٢ - غزوة الخندق
(١) و أنا أتذكّر سوء أثرى عندهم بعد ممالحة و خلصيّة منى لهم، فقلت:
هم يمثلون بى كلّ المثل حتى ذكرت المعول.
حدّثنى أبو بكر بن أبى سبرة، عن عبد اللّه بن أبى بكر بن حزم، قال:
خرج نبّاش بن قيس ليلة من حصنهم يريد المدينة، و معه عشرة من اليهود من أشدّائهم و هم يقولون: عسى أن نصيب منهم غرّة. فانتهوا إلى بقيع الغرقد، فيجدون نفرا من المسلمين من أصحاب سلمة بن أسلم بن حريش، فناهضوهم فراموهم ساعة بالنّبل، ثم انكشف القريظيّون مولّين.
و بلغ سلمة بن أسلم و هم بناحية بنى حارثة، فأقبل فى أصحابه حتى انتهوا إلى حصونهم، فجعلوا يطيفون بحصونهم حتى خافت اليهود، و أوقدوا النيران على آطامهم و قالوا: البيات! و هدموا قرني [١] بئر لهم و هوّ روها [٢] عليهم، فلم يقدروا يطلعوا من حصنهم و خافوا خوفا شديدا.
و حدّثنى شيخ من قريش، قال ابن أبى الزّناد و ابن جعفر هذا أثبت من الذي فى أحد، قال: كان حسّان بن ثابت رجلا جبانا، فكان قد رفع مع النساء فى الآطام، فكانت صفيّة فى أطم فارع، و معها جماعة و حسّان معهم. فأقبل عشرة من اليهود و رأسهم غزّال بن سموأل من بنى قريظة نهارا، فجعلوا ينقمعون [٣] و يرمون الحصن، فقالت صفيّة لحسّان:
دونك يا أبا الوليد! قال: لا و اللّه، لا أعرّض نفسي لهولاء اليهود. و دنا أحدهم إلى باب الحصن يريد أن يدخل، فاحتجزت صفيّة بثوبها، ثم
[١] القرنان: منارتان تبنيان على رأس البئر، و يوضع فوقهما خشبة فتعلق البكرة فيها. (الصحاح، ص ٢١٨٠).
[٢] هوروها: أى هدموها. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٦٢).
[٣] انقمع: أى دخل. (لسان العرب، ج ١٠، ص ١٦٨).