المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٥٦ - غزوة الخندق
(١) و تعاهدوا ألّا يرجعوا حتى يستأصلوا محمّدا و من معه. قال كعب: و يحك! جئتني و اللّه بذلّ الدهر و بسحاب يبرق و يرعد ليس فيه شيء. و أنا فى بحر لجّىّ، لا أقدر على أن أريم دارى، و مالي معى و الصبيان و النساء، فارجع عنى، فإنه لا حاجة لى فيما جئتني به. قال حيىّ: و يحك! أكلّمك.
قال كعب: ما أنا بفاعل. قال: و اللّه، ما أغلقت دوني إلّا لجشيشتك أن آكل معك منها، فلك ألّا أدخل يدي فيها. قال: فأحفظه [١]، ففتح الباب فدخل عليه، فلم يزل يفتله فى الذّروة و الغارب [٢] حتى لان له، و قال: ارجع عنى يومك هذا حتى أشاور رؤساء اليهود. فقال: قد جعلوا العهد و العقد إليك فأنت ترى لهم. و جعل يلحّ عليه حتى فتله عن رأيه، فقال كعب بن أسد: يا حيىّ، قد دخلت فيما ترى كارها له، و أنا أخشى ألّا يقتل محمّد، و تنصرف قريش إلى بلادها، و ترجع أنت إلى أهلك، و أبقى فى عقر الدار و أقتل و من معى. فقال حيىّ: لك ما فى التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء، لئن لم يقتل محمّد فى هذه الفورة و رجعت قريش و غطفان قبل أن يصيبوا محمّدا، لأدخلنّ معك حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب العهد الذي كان بينه و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و دعا حيىّ بالكتاب الذي كتب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بينهم فشقّه حيىّ، فلمّا شقّه حيىّ علم أنّ الأمر قد لحم و فسد، فخرج على بنى قريظة و هم حلق حول منزل كعب بن أسد، فخبّرهم الخبر. يقول الزّبير بن باطا: و إهلاك اليهود! تولّى قريش و غطفان
[١] أحفظ: أى أغضب، و الحفيظة: الغضب. (شرح أبى ذر، ص ٣٠١).
[٢] فى الذروة و الغارب: هذا مثل، و أصله فى البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد من ذروته و غارب سنامه و تفتل هناك، فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك، فضرب هذا الكلام مثلا فى المراوضة و المخاتلة. (الروض الأنف، ج ٢، ص ١٨٩).