المغازي - الواقدي - الصفحة ٥٩٣ - غزوة الحديبية
(١)
يدك أطلب بذلك البركة. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ادن! فدنا فأخذ يد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقبّلها، و مسح رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )على رأسه و قال: بارك اللّه فيك! فكان قد بلغ سنّا، و كان له فضل و حال فى قومه حتى توفّى زمن الوليد بن عبد الملك.
قالوا: فلمّا اطمأنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بالحديبية جاءه بديل ابن ورقاء و ركب من خزاعة، و هم عيبة نصح [١] رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بتهامة، منهم المسلم و منهم الموادع، لا يخفون عليه بتهامة شيئا، فأناخوا رواحلهم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم جاءوا فسلّموا عليه، فقال بديل: جئناك من عند قومك، كعب بن لؤىّ و عامر بن لؤىّ، قد استنفروا لك الأحابيش و من أطاعهم، معهم العوذ المطافيل- النساء و الصّبيان- يقسمون باللّه لا يخلّون بينك و بين البيت حتى تبيد خضراؤهم [٢]. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنّا لم نأت لقتال أحد، إنّما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه، و قريش قوم قد أضرّت بهم الحرب و نهكتهم، فإن شاءوا ماددتهم مدّة يأمنون فيها، و يخلّون فيما بيننا و بين الناس، و الناس أكثر منهم، فإن ظهر أمرى على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا و قد جمعوا! و اللّه لأجهدنّ على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي [٣] أو ينفذ اللّه أمره!
[١] أى موضع الأمانة على سره. (شرح الزرقانى على المواهب اللدنية، ج ٢، ص ٢٢٤).
[٢] فى الأصل: «حفراهم»، و التصحيح عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٧٠).
و خضراؤهم: أى جماعتهم. (الفائق، ص ١٧٥).
[٣] السالفة: صفحة العنق، و هما سالفتان من جانبيه، و كنى بانفرادهما عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت، و قيل أراد حتى يفرق بين رأسى و جسدي. (النهاية، ج ٢، ص ١٧٥).