المغازي - الواقدي - الصفحة ٤١٩ - ذكر ما كان من أمر ابن أبىّ
(١) و يقال: لم يشعر أهل العسكر إلّا برسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قد طلع على راحلته القصواء، و كانوا فى حرّ شديد، و كان لا يروح حتى يبرد، إلّا أنه لما جاءه خبر ابن أبىّ رحل فى تلك الساعة. فكان أوّل من لقيه سعد بن عبادة، فقال: السلام عليك أيها النبىّ و رحمة اللّه! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و عليك السلام! فقال: يا رسول اللّه، قد رحلت فى ساعة منكرة ما كنت ترحل فيها! و يقال لقيه أسيد بن حضير- قال ابن واقد: و هو أثبت عندنا- فقال: يا رسول اللّه، خرجت فى ساعة منكرة ما كنت تروح فيها! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم؟ قال: أىّ صاحب يا رسول اللّه؟ قال: ابن أبىّ، زعم أنّه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذلّ!
قال: فأنت يا رسول اللّه تخرجه إن شئت، فهو الأذل و أنت الأعزّ، و العزّة للّه و لك و للمؤمنين.
ثم قال: يا رسول اللّه، ارفق به فو اللّه لقد جاء اللّه بك، و إنّ قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلّا خرزة واحدة عند يوشع اليهودىّ، قد أرب [١] بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوّجوه، فجاء اللّه بك على هذا الحديث، فما يرى إلّا قد سلبته ملكه.
قال: فبينا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يسير من يومه ذلك، و زيد ابن أرقم يعارض النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )براحلته، يريه وجهه فى المسير، و رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يستحثّ راحلته فهو مغذّ فى السير، إذ نزل عليه الوحى. قال زيد بن أرقم: فما هو إلّا أن رأيت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )تأخذه البرحاء و يعرق جبينه، و تثقل يدا راحلته حتى ما كاد ينقلها، عرفت أنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يوحى إليه، و رجوت أن يكون ينزل
[١] أرب بهم: اشتد. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٦).