المغازي - الواقدي - الصفحة ٧٧٦ - سريّة الخبط أميرها أبو عبيدة
(١) عزمت عليك ألّا تنحر، أ تريد أن تخفر ذمتك و لا مال لك؟ فقال قيس:
يا أبا عبيدة، أ ترى أبا ثابت و هو يقضى دين الناس، و يحمل الكلّ [١]، و يطعم فى المجاعة، لا يقضى سقة تمر لقوم مجاهدين فى سبيل اللّه! فكاد أبو عبيدة أن يلين له و يتركه حتى جعل عمر يقول: اعزم عليه! فعزم عليه فأبى عليه أن ينحر. فبقيت جزوران معه حتى وجد القوم الحوت، فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليها، و بلغ سعد ما كان أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرفه فسوف ينحر للقوم.
فلمّا قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت فى مجاعة القوم حيث أصابهم؟
قال: نحرت. قال: أصبت، انحر! قال: ثم ما ذا؟ قال: نحرت. قال:
أصبت! قال: ثم ما ذا؟ قال: ثم نحرت. قال أصبت، انحر! قال:
ثم ما ذا؟ قال: نهيت. قال: و من نهاك؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح أميرى. قال: و لم؟ قال: زعم أنه لا مال لى و إنما المال لأبيك، فقلت:
أبى يقضى عن الأباعد، و يحمل الكلّ [١]، و يطعم فى المجاعة، و لا يصنع هذا بى! قال: فلك أربع حوائط [٢]. قال: و كتب له بذلك كتابا. قال:
و أتى بالكتاب إلى أبى عبيدة فشهد فيه، و أتى عمر فأبى أن يشهد فيه- و أدنى حائط منها يجذّ خمسين وسقا. و قدم البدوىّ مع قيس فأوفاه سقته و حمله و كساه،
فبلغ النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )فعل قيس فقال: إنه فى بيت جود.
حدّثنى مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللّه،
[١] فى الأصل: «و يحمل فى الكل».
[٢] الحوائط: البساتين. (السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣١٦).