المغازي - الواقدي - الصفحة ٦٠٨ - غزوة الحديبية
(١) بابنه أبى جندل، فقام إليه سهيل فضرب وجهه بغصن شوك و أخذ بلبّته و صاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين يفتنوننى فى ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرّا إلى ما بهم، و جعلوا يبكون لكلام أبى جندل.
قال: يقول حويطب بن عبد العزّى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قطّ أشدّ حبّا لمن دخل معهم من أصحاب محمّد لمحمّد و بعضهم لبعض! أما إنى أقول لك لا تأخذ من محمّد نصفا أبدا بعد هذا اليوم، حتى يدخلها عنوة! فقال مكرز: أنا أرى ذلك. و قال سهيل: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردّوه! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنّا لم نقض الكتاب بعد. فقال سهيل: و اللّه لا أكاتبك على شيء حتى تردّه إلىّ.
فردّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فكلّم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )سهيلا أن يتركه فأبى سهيل، فقال مكرز بن حفص و حويطب: يا محمّد، نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه، و كف أبوه عنه. ثم رفع رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )صوته فقال: يا أبا جندل، اصبر و احتسب، فإنّ اللّه جاعل لك و لمن معك فرجا و مخرجا! إنّا قد عقدنا بيننا و بين القوم صلحا، و أعطيناهم و أعطونا على ذلك عهدا، و إنّا لا نغدر! و عاد عمر إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقال: يا رسول اللّه، أ لست برسول اللّه؟ قال: بلى.
قال: ألسنا على الحقّ؟ قال: بلى. قال: أليس عدوّنا على الباطل؟ قال:
بلى. قال: فلم نعطى الدّنية فى ديننا؟ قال رسول اللّه: إنى رسول اللّه، و لن أعصيه و لن يضيّعنى. فانطلق عمر حتى جاء إلى أبى بكر فقال له مثل ما قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال أبو بكر: إنه رسول اللّه و لن يعصيه و لن يضيّعه، و دع عنك ما ترى يا عمر! قال عمر: فوثبت إلى أبى جندل أمشى إلى جنبه. و سهيل بن عمرو يدفعه، و عمر يقول: اصبر