المغازي - الواقدي - الصفحة ٦١٠ - غزوة الحديبية
(١) من صلح الحديبية! و كان أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه يقول: ما كان فتح فى الإسلام أعظم من فتح الحديبية، و لكنّ الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمّد و ربّه، و العباد يعجلون، و اللّه تبارك و تعالى لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد اللّه. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو فى حجّه قائما عند المنحر يقرّب إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بدنه، و رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )ينحرها بيده، و دعا الحلّاق فحلق رأسه، و أنظر إلى سهيل يلقط من شعره، و أراه يضعه على عينيه، و أذكر إباءه أن يقرّ يوم الحديبية بأن يكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، و يأبى أن يكتب أنّ محمّدا رسول اللّه، فحمدت اللّه الذي هداه للإسلام، و صلوات اللّه و بركاته على نبىّ الرّحمة الذي هدانا به و أنقذنا به من الهلكة! فلمّا حضرت الدّواة و الصّحيفة بعد طول الكلام و المراجعة فيما بين رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و سهيل بن عمرو، و لمّا التأم الأمر و تقارب، دعا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )رجلا يكتب الكتاب بينهم، و دعا أوس بن خولىّ يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلّا أحد الرجلين، ابن عمّك علىّ أو عثمان بن عفّان! فأمر النبي ( صلّى اللّه عليه و سلم )عليّا يكتب، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب كما نكتب باسمك اللّهمّ. فضاق المسلمون من ذلك و قالوا:
هو الرحمن. و قالوا: لا تكتب إلّا الرحمن. قال سهيل: إذا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: اكتب باسمك اللّهمّ! هذا ما اصطلح عليه رسول اللّه. فقال سهيل: لو أعلم أنّك رسول اللّه ما خالفتك، و اتّبعتك، أ فترغب عن اسمك و اسم أبيك محمّد بن عبد اللّه؟
فضجّ المسلمون منها ضجّة هي أشدّ من الأولى حتى ارتفعت الأصوات،