المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٢٩ - ذكر عائشة رضى اللّه عنها و أصحاب الإفك
(١) عرفني. فخمّرت وجهى بملحفتى، فو اللّه إن كلّمنى كلمة غير أنى سمعت استرجاعه حين أناخ بعيره. ثم وطى على يده مولّيا عنى، فركبت على رحله، و انطلق يقود بى حتى جئنا العسكر شدّ الضحا، فارتعج العسكر و قال أصحاب الإفك الذي قالوا- و تولّى كبره عبد اللّه بن أبىّ- و لا أشعر من ذلك بشيء و الناس يخوضون فى قول أصحاب الإفك.
ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة، و لا يبلغني من ذلك شيء، و قد انتهى ذلك إلى أبوىّ، و أبواى لا يذكران لى من ذلك شيئا، إلّا أنى قد أنكرت من رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )لطفه بى و رحمته، فلا أعرف منه اللطف الذي كنت أعرف حين اشتكيت، إنّما يدخل فيسلّم فيقول: كيف تيكم؟ فكنت إذا اشتكيت لطف بى و رحمنى و جلس عندي. و كنا قوما عربا لا نعرف الوضوء فى البيوت، نعافها و نقذرها، و كنا نخرج إلى المناصع [١] بين المغرب و العشاء لحاجتنا. فذهبت ليلة و معى أمّ مسطح ملتفعة فى مرطها، فتعلّقت به فقالت: تعس مسطح! فقلت: بئس لعمر اللّه ما قلت، تقولين هذا لرجل من أهل بدر؟ فقالت لى مجيبة: ما تدرين و قد سال بك السيل. قلت: ما ذا تقولين؟ فأخبرتنى ول أصحاب الإفك، فقلّص ذلك منىّ، و ما قدرت على أن أذهب لحاجتي، و زادني مرضا على مرضى، فما زلت أبكى ليلى و يومى. قالت: و دخل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بعد ذلك فقلت: ائذن لى أذهب إلى أبوىّ، و أنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لى فأتيت أبوىّ فقلت لأمّى:
يغفر اللّه لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به و ذكروا ما ذكروا و لا تذكرين لى من ذلك شيئا! فقالت: يا بنيّة، خفّضى عليك الشأن، فو اللّه ما كانت جارية حسناء عند رجل يحبّها و لها ضرائر إلّا كثّرن عليها القالة
[١] هي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة، واحدها منصع. (النهاية، ج ٤، ص ١٤٩).