المغازي - الواقدي - الصفحة ٥٩٩ - غزوة الحديبية
(١) نسيّات معه إن كنّ ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم، و إيّاكم و إضجاع الرأى [١]، و قد عرض عليكم خطّة فمادّوه! يا قوم، اقبلوا ما عرض فإنّى لكم ناصح، مع أنّى أخاف ألّا تنصروا عليه! رجل أتى هذا البيت معظّما له، معه الهدى ينحره و ينصرف! فقالت قريش: لا تكلّم بهذا يا أبا يعفور [٢]! لو غيرك تكلّم بهذا للمناه، و لكن نردّه عن البيت فى عامنا هذا و يرجع إلى قابل.
قالوا: ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف، فلما طلع و رآه رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قال: إنّ هذا رجل غادر! فلما انتهى إلى النبي ( صلّى اللّه عليه و سلم )كلّمه بنحو ممّا كلّمه أصحابه، فلمّا انتهى إلى قريش أخبرهم بما رد عليه. فبعثوا الجليس بن علقمة- و هو يومئذ سيّد الأحابيش- فلمّا طلع الحليس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هذا من قوم يعظّمون الهدى و يتألّهون [٣]، ابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه. فبعثوا الهدى، فلمّا نظر إلى الهدى يسيل [٤] فى الوادي عليه القلائد، قد أكل أوباره [٥] يرجّع الحنين. و استقبله القوم فى وجهه يلبّون، قد أقاموا نصف شهر قد تفلوا [٦] و شعثوا، رجع و لم يصل إلى النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )إعظاما لما رأى، حتى رجع إلى قريش فقال: إنى قد رأيت ما لا يحلّ صدّه، رأيت الهدى فى قلائده قد أكل أوباره، معكوفا عن محلّه، و الرجال قد تفلوا و قملوا أن يطوفوا بهذا البيت! أما و اللّه ما على هذا حالفناكم، و لا عاقدناكم
____________
[١] أى الوهن فى الرأى. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٥٥).
[٢] فى الأصل: «أبا يعقوب»، و ما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٧، ص ٣٦٩).
[٣] التأله: التعبد و التنسك. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٨٠).
[٤] يسيل: أى يسرع. (شرح أبى ذر، ص ٢٤١).
[٥] أى من طول الحبس. انظر ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٧٠).
[٦] التفل: ترك استعمال الطيب. (النهاية، ج ١، ص ١١٦).