المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٩٠ - ذكر نعيم بن مسعود
(١) إنكم و اللّه لستم بدار مقام، لقد هلك الخفّ و الكراع، و أجدب الجناب، و أخلفتنا بنو قريظة، و بلغنا عنهم الذي نكره، و قد لقينا من الريح ما ترون! و اللّه، ما يثبت لنا بناء و لا تطمئنّ لنا قدر، فارتحلوا فإنى مرتحل.
و قام أبو سفيان، و جلس على بعيره و هو معقول، ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم، فما أطلق عقاله إلّا بعد ما قام. و لولا عهد رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )إلىّ: «لا تحدث شيئا حتى تأتى» ثم شئت، لقتلته. فناداه عكرمة ابن أبى جهل: إنك رأس القوم و قائدهم، تقشع و تترك الناس؟ فاستحيى أبو سفيان فأناخ جمله و نزل عنه، و أخذ بزمامه و هو يقوده، و قال: ارحلوا! قال: فجعل الناس يرتحلون و هو قائم حتى خفّ العسكر، ثم قال لعمرو ابن العاص: يا أبا عبد اللّه، لا بدّ لى و لك أن نقيم فى جريدة [١] من خيل بإزاء محمّد و أصحابه، فإنّا لا نأمن أن نطلب حتى ينفذ العسكر. فقال عمرو: أنا أقيم. و قال لخالد بن الوليد: ما ترى يا أبا سليمان؟ فقال:
أنا أيضا أقيم. فأقام عمرو و خالد فى مائتي فارس، و سار العسكر إلّا هذه الجريدة على متون الخيل.
قالوا: و ذهب حذيفة إلى غطفان فوجدهم قد ارتحلوا، فرجع إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فأخبره. و أقامت الخيل حتى كان السّحر، ثم مضوا فلحقوا الأثقال و العسكر مع ارتفاع النهار بملل، فغدوا إلى السيّالة.
و كانت غطفان لمّا ارتحلت وقف مسعود بن رخيلة فى خيل من أصحابه، و وقف الحارث بن عوف فى خيل من أصحابه، و وقف فرسان من بنى سليم فى أصحابهم، ثم تحمّلوا جميعا فى طريق واحدة، و كرهوا أن يتفرّقوا حتى
[١] هي التي جردت من معظم الخيل لوجه. (أساس البلاغة، ص ١١٦).