المغازي - الواقدي - الصفحة ٥٩٥ - غزوة الحديبية
(١) عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم أقبل حتى جاءه، ثم قال:
يا محمّد، إنى تركت قومك، كعب بن لؤىّ و عامر بن لؤىّ على أعداد [١] مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، قد استنفروا لك أحابيشهم و من أطاعهم، و هم يقسمون باللّه لا يخلّون بينك و بين البيت حتى تجتاحهم.
و إنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين، أن تجتاح قومك، و لم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك، أو بين أن يخذلك من نرى معك، فإنى لا أرى معك إلّا أوباشا [٢] من الناس، لا أعرف وجوههم و لا أنسابهم.
فغضب أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه و قال: امصص بظر اللّات! أ نحن نخذله؟ فقال عروة: أما و اللّه لولا يدلك عندي لم أجزك بها بعد لأجبتك! و كان عروة بن مسعود قد استعان فى حمل دية، فأعانه الرجل بالفريضتين و الثلاث و أعانه أبو بكر بعشر فرائض، فكانت هذه يد أبى بكر عند عروة بن مسعود.
فطفق عروة و هو يكلّم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يمسّ لحيته- و المغيرة قائم على رأس رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )بالسيف، على وجهه المغفر- فطفق المغيرة كلّما مسّ لحية رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قرع يده و يقول: أكفف يدك عن مسّ لحية رسول اللّه قبل ألّا تصل إليك! فلمّا أكثر عليه غضب عروة فقال: ليت شعري من أنت يا محمد من هذا الذي أرى من بين أصحابك؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:
هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: و أنت بذلك يا غدر؟ و اللّه ما غسلت عنك غدرتك إلّا بعلابط [١] أمس! لقد أورثتنا العداوة من ثقيف
____________
[١] الأعداد: جمع العد بالكسر، و هو الماء الذي له مادة لا تنقطع، كماء العين و البئر.
(الصحاح، ص ٥٠٣).
[٢] الأوباش من الناس: الأخلاط مثل الأوشاب، و يقال: هو جمع مقلوب من البوش.
(الصحاح، ص ١٠٢٤).