المغازي - الواقدي - الصفحة ٨٠٧
(١) فقال حسّان شعرا، و أمره رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )أن يذاكر أبا بكر الصدّيق رضى اللّه عنه بعض ذلك، فذاكره. قال: فمكث أبو سفيان عشرين سنة [١] عدوّا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يهجو المسلمين و يهجونه، و لا يتخلّف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ثم إنّ اللّه ألقى فى قلبه الإسلام. قال أبو سفيان، فقلت: من أصحب و مع من أكون؟ قد ضرب الإسلام بجرانه [٢]! فجئت زوجتي و ولدي، فقلت:
تهيّئوا للخروج فقد أظلّ قدوم محمّد عليكم. قالوا: قد آن لك تبصر أنّ العرب و العجم قد تبعت محمّدا و أنت موضع فى عداوته، و كنت أولى الناس بنصره! فقلت لغلامي مذكور: عجّل بأبعرة و فرس. قال: ثم سرنا حتى نزلنا الأبواء، و قد نزلت مقدمته الأبواء، فتنكّرت و خفت أن أقتل، و كان قد هدر دمى، فخرجت، و أجد ابني جعفر على قدمي نحوا من ميل، فى الغداة التي صبّح رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فيها الأبواء، فأقبل الناس رسلا رسلا [٣]، فتنحّيت فرقا من أصحابه، فلمّا طلع مركبه تصدّيت له تلقاء وجهه، فلمّا ملأ عينيه منّى أعرض عنى بوجهه إلى الناحية الأخرى، فتحوّلت إلى ناحية وجهه الأخرى، و أعرض عنّى مرارا، فأخذنى ما قرب و ما بعد، و قلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه. و أتذكّر برّه و رحمته و قرابتي فيمسك ذلك منى، و قد كنت لا أشكّ أنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و أصحابه سيفرحون بإسلامى فرحا شديدا، لقرابتي [٤] [من] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلمّا رأى المسلمون إعراض رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )عنّى
[١] هكذا فى الأصل.
[٢] ضرب الإسلام بجرانه: قر قراره و استقام. (النهاية، ج ١، ص ١٥٨).
[٣] رسلا: أى فرقا. (النهاية، ج ٢، ص ٨٠).
[٤] فى الأصل: «و قرابتي».