المغازي - الواقدي - الصفحة ٧٧٥ - سريّة الخبط أميرها أبو عبيدة
(١) قائلهم: لو لقينا عدوّا ما كان بنا حركة إليه، لما بالناس من الجهد. فقال قيس بن سعد: من يشترى منى تمرا بجزر، يوفيني الجزر هاهنا و أو فيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: وا عجباه لهذا الغلام، لا مال له يدّان فى مال غيره! فوجد رجلا من جهينة، فقال قيس بن سعد: بعني جزرا و أوفيك سقة [١] من تمر بالمدينة. قال الجهنىّ: و اللّه ما أعرفك، و من أنت؟ قال:
أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم [٢]. قال الجهنىّ: ما أعرفتنى بنسبك! أما إنّ بيني و بين سعد خلّة، سيّد أهل يثرب. فابتاع منهم خمس جزر كلّ جزور بوسقين من تمر، يشرط عليه البدوىّ، تمر ذخيرة مصلّبة [٣] من تمر آل دليم. قال: يقول قيس: نعم. فقال الجهنىّ: فأشهد لى.
فأشهد له نفرا من الأنصار و معهم نفر من المهاجرين. قال قيس: أشهد من تحبّ. فكان فيمن أشهد عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه، فقال عمر:
لا أشهد! هذا يدّان و لا مال له، إنما المال لأبيه. قال الجهنىّ: و اللّه، ما كان سعد ليخنى [٤] بابنه فى سقة من تمر! و أرى وجها حسنا و فعالا شريفا.
فكان بين عمر و بين قيس كلام حتى أغلظ له قيس الكلام، و أخذ قيس الجزر فنحرها لهم فى مواطن ثلاثة، كل يوم جزورا، فلمّا كان اليوم الرابع نهاه أميره و قال: تريد أن تخفر [٥] ذمّتك و لا مال لك؟
حدّثنى محمّد بن يحيى بن سهل، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال: أقبل أبو عبيدة بن الجرّاح و معه عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنهم فقال:
[١] السقة: جمع وسق و هو الحمل، و قدره الشرع بستين صاعا. و يروى أيضا بالشين المعجمة.
(النهاية، ج ٢، ص ١٦٩).
[٢] فى الأصل: «دوليم»، و ما أثبتناه عن ابن سعد. (الطبقات، ج ٨، ص ٣٣٠).
[٣] صلب: أى يبس. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٩٣).
[٤] أى يسلمه و يخفر ذمته، هو من أخنى عليه. (النهاية، ج ٢، ص ٤).
[٥] فى الأصل: «أن تخرب»، و ما أثبتناه عن السيرة الحلبية. (ج ٢، ص ٣١٥).