المغازي - الواقدي - الصفحة ٧٧١ - غزوة ذات السّلاسل
(١) بعمرو بن العاص، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس و يتقدّم عمرا، فقال له عمرو: إنما قدمت علىّ مددا لى، و ليس لك أن تؤمّنى، و أنا الأمير، و إنما أرسلك النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )إلىّ مددا. فقال المهاجرون: كلّا، بل أنت أمير أصحابك و هو أمير أصحابه! فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا! فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف- و كان حسن الخلق، ليّن الشّيمة- قال: لتطمئنّ يا عمرو، و تعلمنّ أنّ آخر ما عهد إلىّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا و لا تختلفا». و إنك و اللّه إن عصيتني لأطيعنّك! فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلّى بالناس.
فآب إلى عمرو جمع- فصاروا خمسمائة- فسار الليل و النهار حتى وطئ بلاد بلىّ و دوّخها [١]، و كلّما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع فلمّا سمعوا به تفرّقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلىّ و عذرة و بلقين، و لقى فى آخر ذلك جمعا ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة و تراموا بالنّبل، و رمى يومئذ عامر بن ربيعة [٢] بسهم فأصيب ذراعه. و حمل المسلمون عليهم فهربوا، و أعجزوا هربا فى البلاد و تفرّقوا، و دوّخ عمرو ما هناك و أقام أيّاما لا يسمع لهم بجمع و لا بمكان صاروا فيه، و كان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء و النّعم، و كانوا ينحرون و يذبحون، لم يكن فى ذلك أكثر من ذلك، و لم تكن غنائم تقسم إلّا ما ذكر له.
و كان رافع بن أبى رافع الطائىّ يقول: كنت فيمن نفر مع أبى عبيدة ابن الجرّاح، و كنت رجلا أغير فى الجاهلية على أموال الناس، فكنت
[١] دوخ البلاد: قهرها و استولى على أهلها. (الصحاح، ص ٤٢١).
[٢] فى الأصل: «عمار بن ربيعة». و ما أثبتناه من ابن الأثير. (أسد الغابة، ج ٣، ص ٨٠).