المغازي - الواقدي - الصفحة ٧٠٤ - تسمية من استشهد بخيبر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم
(١) القيام، فأشفق أن يدخل داره فيؤذى، و علم أن سيؤذى عند ذلك، فأمر بباب داره يفتح و هو مستلق، فدعا بابنه قثم و كان يشبّه بالنبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فجعل يرتجز و يرفع صوته ألّا يشمت به الأعداء. و حضر باب العبّاس بين مغيظ محزون، و بين شامت، و بين مسلم و مسلمة، مقهورين بظهور الكفر و البغي، فلمّا رأى المسلمون العبّاس طيّبة نفسه طابت أنفسهم و اشتدّت منّتهم [١]، و دعا غلاما له يقال له أبو زبينة فقال له: اذهب إلى الحجّاج فقل، يقول العبّاس: «اللّه أعلى و أجلّ من أن يكون الذي تخبر حقّا».
فجاءه فقال الحجّاج: قل لأبى الفضل: أحلّنى فى بعض بيوتك حتى آتيك ظهرا ببعض ما تحبّ، فاكتم عنّى. فأقبل أبو زبينة يبشّر العبّاس «أبشر بالذي يسرّك» فكأنه لم يمسّه شيء، و دخل عليه أبو زبينة فاعتنقه العبّاس و أعتقه و أخبره بالذي قال، فقال العبّاس: للّه علىّ عتق عشر رقاب! فلمّا كان ظهرا جاءه الحجّاج فناشده اللّه: لتكتمنّ علىّ ثلاثة أيّام. فواثقه العبّاس على ذلك، قال: فإنى قد أسلمت ولى مال عند امرأتى و دين على الناس، و لو علموا بإسلامى لم يدفعوا إلىّ، تركت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قد فتح خيبر، و جرت سهام اللّه و رسوله فيها و انتثل [٢] ما فيها، و تركته عروسا بابنة حيىّ بن أخطب، و قتل ابن أبى الحقيق. قال: فلمّا أمسى الحجّاج من يومه خرج، و طال على العبّاس تلك الليالي، و يقال: إنما استنظر العبّاس يوما و ليلة، و جعل العبّاس يقول: يا حجّاج، انظر ما تقول فإنى عارف بخيبر، هي ريف الحجاز أجمع، و أهل المنعة و العدّة فى الرجال. أحقّا ما تقول؟ قال: إى و اللّه، فاكتم عنى يوما و ليلة. حتى إذا مضى الأجل و الناس
[١] المنة بالضم: القوة. (الصحاح، ص ٢٢٠٧).
[٢] أى استخرج و أخذ. (النهاية، ج ٤، ص ١٢٥).