المغازي - الواقدي - الصفحة ٤٧٨ - غزوة الخندق
(١) و لا يدرى بما كان من الكلام، فلمّا جاء إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و جاء عيينة مادّا رجليه بين يدي رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و علم ما يريدون، فقال: يا عين الهجرس [١]، اقبض رجليك! أتمدّ رجليك بين يدي رسول اللّه؟ و معه الرمح. و اللّه، لولا رسول اللّه لأنفذت خصيتيك بالرّمح! ثم أقبل على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )فقال: يا رسول اللّه، إن كان أمرا من السماء فامض له، و إن كان غير ذلك فو اللّه لا نعطيهم إلّا السيف! متى طمعوا [٢] بهذا منّا؟ فأسكت رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )و دعا سعد بن معاذ و سعد بن عبادة فاستشارهما فى ذلك، و هو متّكئ عليهما، و القوم جلوس، فتكلّم بكلام يخفيه، و أخبرهما بما قد أراد من الصلح.
فقالا: إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، و إن كان أمرا لم تؤمر فيه و لك فيه هوى فامض لما كان لك فيه هوى، فسمعا و طاعة، و إن كان إنما هو الرأى فما لهم عندنا إلّا السيف. و أخذ سعد بن معاذ الكتاب،
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: إنى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم و لا أقاتلهم. فقالا: يا رسول اللّه، إن كانوا ليأكلون العلهز [٣] فى الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منّا قطّ، أن يأخذوا تمرة إلّا بشرى أو قرى! فحين أتانا اللّه تعالى بك، و أكرمنا بك، و هدانا بك نعطى الدّنيّة! لا نعطيهم أبدا إلّا السيف! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: شق الكتاب. فتفل سعد فيه، ثم شقّه و قال: بيننا السيف! فقام عيينة و هو يقول: أما و اللّه للّتى تركتم خير لكم من الخطّة التي أخذتم،
____________
[١] الهجرس: ولد الثعلب، و الهجرس أيضا القرد. (النهاية، ج ٤، ص ٢٤٠).
[٢] فى الأصل: «متى طمعتم بهذا منا»، و ما أثبتناه من نسخة ب.
[٣] العلهز: هو شيء يتخذونه فى سنى المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار و يأكلونه، و قيل كانوا يخلطون فيه القردان. (النهاية، ج ٣، ص ١٢٤).