الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٦ - الأدب و التاريخ
قُلِ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا لَبِثُوا و قالوا لو كان ذلك خيرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله قل اللّه أعلم بما لبثوا وجه مفهوم و قد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه و قدره» [١] .
موقف القرآن من قصة أصحاب الكهف موقف من لا يحكي الحقيقة التاريخية و إنما يحكي أقوال اليهود التي قد تطابق الحقيقة و قد لا تطابقها و من هنا لا يصح أن يتوجّه أي اعتراض على هذه القصة من حيث اختلافها مع الواقع لأن تحقيق هذا الواقع ليس المقصود من القصة في القرآن الكريم و سنزيد هذه القصة بيانا و إيضاحا في الباب الثاني إن شاء اللّه.
و أما قصة ذي القرنين فقد سبق أن شرحنا أن القرآن إنما يصوّر في هذه القصة و بخاصة عند حديثه عن غروب الشمس ما يراه القوم بأعينهم و بعبارة أخرى يعبر القرآن عن مبصرات القوم كما يستطيعون رؤيتها لا حقيقة ما يقع و إذا كنا سنقف عند هذه القصة في الباب الثاني لنثبت أن القرآن إنما صوّر في هذه القصة ما كانت تعرفه الجماعة العربية عن ذي القرنين و عن غروب الشمس من طريق السمع و أنه صوّر. مسموعاتهم لا مبصراتهم فأنّا سنقف هنا لنرى رأينا في مذهب القرآن البلاغي. فهل كان يقيم تشبيهاته و استعاراته كما كانت تقيمها العرب على العرف و العادة أو كان يتطلب الحقيقة العقلية ليقيم عليها بيانه العربي من تشبيه و استعارة و من كناية و تمثيل؟
كان القرآن يجري على الصور الذهنية أو على الواقع النفسي في تشبيهاته و استعاراته حين يتحدث عن جهنّم و يصف طعامها و الشراب و حين يتحدّث عن الذي يتخبّطه الشيطان من المس. جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى إِنَّهََا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ اَلْجَحِيمِ*`طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ اَلشَّيََاطِينِ [٢] ما يلي: «و أما تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين ففيه سؤال لأنه قيل إنّا ما رأينا رءوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شيء بها؟
و أجابوا عنه من وجوه الأول: و هو الصحيح أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة و السير و اعتقدوا في الشياطين نهاية القبح و التشويه في الصورة و السيرة فكما حسن
[١] الطبري، جـ ١٠، ص ١٠٢
[٢] سورة الصافات، الآيتان ٦٤-٦٥.