الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٥٨ - مصادر القصص القرآني
و الذي لا شك فيه و بعيدا عن عواطف الأسى و شعور الخيبة و إحساس الإحباط فإن خلف اللّه قد أضاع فرصة عمره ليغدو رائدا لنقد الفكر الديني و قائدا لكتيبة البحث الحر في الجذور العميقة التي تتمحور عليها العقيدة. بيد أن هناك عذرا قد ينتصب له لأنه لو فعل ذلك لازدادت الثورة عليه اشتعالا و لتضاعف أوار النقمة عليه. إنما هناك من البحّاث من لا يأبه لذلك في سبيل العلم و خاصة في الرسائل الجامعية و الأطروحات الأكاديمية.
في رده على المستشرقين و المبشّرين في ادعائهم بأن في القرآن مخالفات تاريخية و أنه من ثم فهو من عند محمد أنهم يعلّلون المخالفات بأن (محمدا) كان يتعلم الأخبار من العبدان و الأرقاء خدمة صناديد قريش و أن المستشرقين تناسوا أن لسان هؤلاء أعجمي و القرآن جاء بلسان عربي مبين و أنهم لفقرهم عجزوا عن الحصول على نسخ مكتوبة من الإنجيل و التوراة و بذلك كانت معارفهم تتأسس على الشائعات و وسيلتها المشافهة التي هي دائما عرضة للتبديل و التحوير و التغيير و الزيادة و النقصان و الحذف و الإضافة. و لقائل أن يفند ردود خلف اللّه بما يأتي:
إن المستشرقين و أضرابهم من الحاقدين على الإسلام و كتابه و نبيه لم يقصروا زعمهم على لقاء محمد بالعبدان و الأرقاء الأعاجم خدام سادة قريش بل أضافوا إليهم عددا من رجال الدين المسيحي أو العلماء في هذه الديانة أو على الأقل ممّن قرءوا و درسوا العهدين القديم و الجديد منهم بحيرا و نسطور و عدّاس و الأخطر فيهم جميعا القس ورقة بن نوفل ابن عم الطاهرة أم هند خديجة أولى و أهم زوجات محمد و الذي استمر تماسه بمحمد من لحظة زواجه بها حتى وقوع تجربة غار حراء بل و بعدها و من الثابت الذي لا ذرة فيه من ريب أن ورقة كان يعرف العبرية و كان يترجم الكتاب المقدس أو أجزاء منه ربما التي تحوي القصص إلى العربية. و هؤلاء بحيرا و نسطور و عدّاس و ورقة وردت أسماؤهم و لقاءاتهم بمحمد في أهم كتب السيرة المحمدية التي تلقّتها أمة لا إله إلا اللّه بالتجلة التي تقارب تخوم التقديس و في طليعتها سيرة ابن هشام و السيرة الحلبية و السيرة الشامية إلخ. إذن لم يكن لقاء محمد-في زعم المبشّرين و المستشرقين-مقصورا على العبيد و الأرقاء فلما ذا تغاضى خلف اللّه عن هؤلاء إما أنه كان لا يعرف هذا الأمر و هذا ما نهزّله (من الهزال) و نضمّره